بين الأذان والأجراس… يولد عامٌ جديد
نشر بتاريخ: 2026/01/01 (آخر تحديث: 2026/01/01 الساعة: 20:45)

يأتي العام الجديد هذا العام مثقلًا بالجراح، متعبًا من صخب الحرب وجنونها، لكنه لا يأتي فارغ اليدين. يأتي حاملًا شمعة أمل نضيئها معًا، مسلمين ومسيحيين، في وجه العتمة التي حاولت الحرب أن تفرضها على قلوبنا.

 

نحتفل بالعام الجديد لا لأن الألم انتهى، بل لأن الحياة قررت ألا تستسلم. فالإنسان الفلسطيني، بكل أطيافه، تعلّم أن يحوّل الوجع إلى صلاة، والدمع إلى رجاء، والخراب إلى وعدٍ بالبقاء.

 

إلى رفاق الدرب المسيحيين، شركاء الأرض والهوية والمصير، نوجّه تهنئتنا الصادقة بالعام الجديد. تهنئة لا تأتي من باب المجاملة، بل من عمق الشراكة التي صاغتها القرون، وعمّدتها التضحيات، وحمتها القيم المشتركة التي لم تستطع الحروب اقتلاعها.

 

في فلسطين، لم تكن الأجراس يومًا غريبة عن الأذان، ولم تكن الكنائس بعيدة عن المساجد. كان الصوتان يتعانقان في السماء نفسها، ويصليان للإنسان ذاته، وللعدل ذاته، وللسلام الذي ما زلنا ننتظره رغم طول الطريق.

 

الحرب حاولت أن تفرّقنا، أن تزرع الخوف بين البيوت، وأن تجعل الألم دينًا، لكنها فشلت. فالمسلم والمسيحي هنا لا يجمعهما العيد فقط، بل يجمعهما الخبز، والدم، والذاكرة، والحلم المؤجَّل بوطنٍ حرّ كريم.

 

نحتفل هذا العام بحذر، بقلوبٍ مثقلة لكنها حيّة. نحتفل لأن الأطفال ما زالوا يستحقون صباحًا أقل قسوة، ولأن الأمهات ما زلن يزرعن الرجاء في البيوت رغم الفقد، ولأن الشهداء لم يرحلوا عبثًا، بل تركوا لنا وصية الصمود.

 

في العام الجديد، لا نطلب المعجزات، بل نطلب العدالة؛ عدالة تُنقذ الإنسان من القتل المجاني، وتعيد للحق معناه، وللأرض كرامتها. لا نطلب النسيان، فذاك خيانة للذاكرة، بل نطلب حياةً تليق بتضحياتنا، وتستحق دماء من عبروا الطريق قبلنا.

 

نطلب أن يبقى نسيجنا الوطني واحدًا، متماسكًا، عصيًّا على الكسر، كما كان دائمًا. أن يبقى الأذان والأجراس شاهدين على وطنٍ لم تُفلح الحروب في تفكيكه، ولا الكراهية في تسميم روحه.

 

كل عام وأنتم بخير، رفاقنا المسيحيين.

كل عام وفلسطين أقوى بوحدتها، أصلب بإيمانها، وأجمل بتنوّعها.

وليكن العام الجديد وعدًا لا ينكسر، بأن هذه الأرض، ما دام فيها من يصلّي للعدل، ستنهض… مهما طال الليل، ومهما اشتدّ الرماد.