ما زالت أميركا تعزل نفسها مع إسرائيل
نشر بتاريخ: 2026/01/02 (آخر تحديث: 2026/01/02 الساعة: 16:32)

إدانة مجلس الأمن الدولي قبل أيام للاعتراف الإسرائيلي «بدولة» أرض الصومال بأغلبية أربعة عشر صوتاً مقابل امتناع أميركا فقط عن التصويت يظهر مجدداً أن الولايات المتحدة ما زالت تقف مع إسرائيل في جانب فيما العالم كله في الجانب الآخر.

ولم يقتصر وجه الغرابة في «تفرد» أميركا بالوقوف جانباً دوناً عن بقية أعضاء المجلس كلهم خلال التصويت على إدانة المجتمع الدولي للقرار الإسرائيلي الذي جاء أصلاً بدافع سياسي معروف لكل العالم ومثير جداً في الشرق الأوسط، وأقل ما يمكن أن يقال فيه أي في دافع الاعتراف إنه جاء لفتح الطريق أمام تنفيذ جريمة حرب هي التهجير الجماعي لمليوني مواطن فلسطيني إضافة إلى مد يد العدوان الإسرائيلي الطويلة أصلاً إلى القرن الإفريقي لإشعال حرب إقليمية هناك ولإرساء «قاعدة عسكرية إسرائيلية» بالقرب من باب المندب لشن الحرب على اليمن وإيران ولتشجيع إثيوبيا على خوض الحرب مع مصر.

ومعروف أن اليمن وباب المندب منطقة تشهد حالياً صراعاً إقليمياً على النفوذ ليس فقط بين إسرائيل وإيران ولا بين إثيوبيا ومصر ولكن حتى بين السعودية والإمارات، لكن المهم هنا هو أن المدخل الإسرائيلي لتحقيق هدف مزدوج من إعلانها الاعتراف «بدولة أرض الصومال» كان اعترافاً من قبل دولة عضو في الأمم المتحدة بإقليم انفصالي غير معترف به من قبل أي أحد ولا أي دولة أخرى ولا حتى منظمة إقليمية أو دولية.

ونظراً لأن الاعتراف الإسرائيلي كان ثمنه هو تقدم إسرائيل على طريق «تغيير الشرق الأوسط» عبر تحقق إسرائيل كدولة عسكرية عظمى كما قال نتنياهو حرفياً قبل أيام، فقد قوبل ذلك الاعتراف برفض وغضب واستنكار الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي ودول: جمهورية الصومال حيث الاعتراف يمس سيادتها كدولة عضو في الأمم المتحدة ومصر والسعودية وبالطبع إيران وحتى الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام.

ورغم كل هذا ورغم أن الرئيس الأميركي نفسه كان قد تهكم في لقاء صحافي على إقليم أرض الصومال متسائلاً إن كان هناك أحد يعرفه ؟ إلا أن المندوب الأميركي في مجلس الأمن السفيرة تامي بروس دافعت عن الاعتراف الإسرائيلي !

وأسوأ ما قالته بروس كان عقدها المقارنة بين اعتراف إسرائيل بإقليم انفصالي كدولة وبين اعتراف عديد الدول بدولة فلسطين «غير الموجودة» حسب وصفها وهي بذلك تظهر سطحية ليس لها حدود، ذلك أنها عقدت مقارنة بائسة بعد أن

أخفت الدافع الخبيث الحقيقي لاعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي كدولة بين الإقليم الانفصالي وبين دولة فلسطين تحت الاحتلال الموجودة بستة ملايين على أرض دولتهم المحتلة والاحتلال لا يعني أن الدولة غير موجودة وإلا لكانت فرنسا قد تبخرت من التاريخ والجغرافيا حين كانت محتلة من قبل ألمانيا بل إن أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة كانت دولاً محتلة قبل عقود كما هو حال فلسطين الآن، ثم إن السيدة بروس نسيت تماماً أن مقارنتها تلك بائسة تماماً ذلك أن أكثر من 157 دولة من أصل 193 أي أكثر من 80% من دول العالم أو ما يقارب عدد الدول التي تعترف بإسرائيل نفسها تعترف بفلسطين، إضافة إلى المنظمات الدولية التي فلسطين عضو فيها والمنظمات الإقليمية مثل التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي بل إن الاعتراف بفلسطين يعتبر انتصاراً للعدل والسلم العالميين بينما الاعتراف بإقليم انفصالي يشعل فتيل الحرب في منطقة بالغة الحساسية خاصة للتجارة الدولية.

ولعل كلمة كبير مستشاري البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة دينا غيلموتدينوفا عبرت عن قلق روسيا جراء الاعتراف الإسرائيلي ذي الدافع السياسي بصومالي لاند وقد أظهرت مدى عدم الجدية في الموقف الأميركي.

أما في مكان آخر وفي نفس الوقت فقد كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه يستقبل المطلوب للعدالة الدولية بنيامين نتنياهو في مارالاغو بولاية فلوريدا ليقول بأنه لولاه - أي لولا نتنياهو الذي يواجه أيضاً تهماً بالفساد في بلده - ما كانت إسرائيل موجود الآن، والأغرب من كل هذا أنه «قلل» مما كانت تشيعه واشنطن من «خلافات» بينهما حول ملفي غزة وسورية على نحو خاص حتى وصل الأمر إلى قول بعض المسؤولين الأميركيين إن واشنطن ضاقت ذرعاً بمماطلات نتنياهو في تنفيذ خطة ترامب بشأن غزة، بل أكثر من ذلك أطلق التهديدات لحماس مع أن إسرائيل هي التي خرقت اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من ألف مرة كانت محصلتها استشهاد نحو 500 إنسان بريء إضافة إلى عدم الالتزام بإدخال المساعدات كما جاء بالاتفاق خاصة في فصل الشتاء، وبدا ترامب كما لو أنه تعرض «لغسيل مخ» يردد ما يريد نتنياهو سماعه حول غزة وإيران !

أما ميدانياً فكان الحال أكثر دلالة على أن أميركا ما زالت تمارس ما يمكن وصفه «بالشذوذ السياسي» خاصة في الشرق الأوسط، أي حيث يتعلق الأمر بإسرائيل تحديداً لكن الحقيقة تظهر أن الشذوذ بمعنى مفارقة المنطق الدولي الذي تجمع عليه دول العالم أو على الأقل الأغلبية من دول العالم، بات صفة ملازمة للسياسة الخارجية الأميركية خاصة خلال ولاية ترامب، فطاقم إدارته على شاكلته وهو طاقم يظهر صورة لا تليق بتاتاً بدولة يفترض أنها تقود العالم وتدير النظام العالمي بعد الحرب الباردة أي بعد الصراع الكوني والنظام العالمي الموحد بعد النظام العالمي ثنائي القطبية يفترض فيه أن يوحد العالم لا أن يعيده مجدداً لا لحالة التجاذب القطبي ولا إلى واقع الحرب العالمية ولا حتى إلى الحروب الإقليمية التي كانت تندلع في غير مكان من الكرة الأرضية والأدلة تكاد لا تحصى ولا تعد وحتى لا نكرر ما سبق لنا أن قلناه في أكثر من مقال لن نعيد تكرار ما فعله وقاله ترامب وأعضاء إدارته تجاه بنما غرينلاند كندا المكسيك المهاجرين وتجاه إيران وغزة واليمن وكذلك تجاه كولومبيا، لكن لا بد من الإشارة إلى التلويح والتهديد بشن الحرب على فنزويلا في محاولة لإسقاط نظامها السياسي تمهيداً للسطو على ثرواتها النفطية.

وكان من الأدلة أيضاً - وكل هذا حدث في أقل من عام فقط - أن أصدر ترامب عفواً عن رئيس هندوراس السابق الذي حكم عليه القضاء الأميركي بالسجن 45 سنة لأنه أدخل لأميركا أكثر من 400 طن مخدرات، بل رمى بثقل أميركا وراء المرشح اليميني تيتو عصفورة وريث الرئيس السابق خوان أورلاندو هرنانديز الذي ـطلق سراحه بفعل مشابه إلى حد كبير لمحاولته دفع القضاء الإسرائيلي لإصدار العفو عن نتنياهو!

وقد سبق لأميركا أن وقفت وحدها ضد عدة مشاريع قرارات لمجلس الأمن طوال عامين كان حين يجري التصويت خلالهما على وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، فعلت ذلك أيضاً حين جلست دائماً إلى جوار نحو عشر دول في الجمعية العامة ضد أكثر من 150 دولة خلال التصويت على مشاريع القرارات التي تنتصر لفلسطين بينما إسرائيل تواصل ارتكاب الجرائم السياسية مع ارتكاب جرائم الحرب ميدانياً ومن ضمن ذلك ما تقوم به من «نفي» للمؤسسات الدولية العاملة في فلسطين.

وتكفي الإشارة هنا إلى مصادقة «الكنيست» بشكل نهائي والكنيست يفترض أنه مختلف عن الحكومة هذا لو كانت إسرائيل دولة طبيعية أو ديموقراطية كما تدعي وذلك في القراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون لقطع الكهرباء والماء عن مكاتب «الأونروا»، والغريب أن سبعة أعضاء فقط صوتوا ضد مشروع هذا القانون المعادي للمنظمة الدولية في أبسط مقومات الحياة مقابل 57 عضواً برلمانياً صوتوا مع مشروع القرار، بل إن رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست إيلي كوهين وصف الأونروا بأنها «ذراع تنفيذية لحماس»؟!

أخيراً نقول إن متابعة مواقف وسياسات وقرارات كل من إسرائيل وأميركا المنافية للعقل والمنطق والخارجة عن القانون الدولي تخرج بنتيجة وحيدة هي أن الدولتين كلتيهما لم تعودا بما هما عليه حالياً مؤهلتين للانسجام مع العالم، فلا إسرائيل مؤهلة لقيادة الشرق الأوسط حتى تقوم بتغييره على هواها، لذلك ستجد الجميع ضدها في هذا المسعى ولا أميركا عادت مقبولة كقائد وحيد للنظام العالمي.

والتغيير لا بد أن يمس الجوهر ولا يتوقف عند حدود التداول في السلطة ذلك أن نتنياهو وطاقم حكومته الشوفيني كذلك ترامب وطاقم إدارته الشعبوي لم يسقطا من السماء، لهذا فعملية التغيير إنما هي محصلة تقاطع الفعل الخارجي والداخلي.