حين يتكلم العقل… يسقط ضجيج الحرب
نشر بتاريخ: 2026/01/20 (آخر تحديث: 2026/01/20 الساعة: 21:10)

قراءة سياسية في خطاب سمير المشهراوي بعد الحرب

بعد لقاء الأخ سمير المشهراوي على قناة «الغد»، خُيّل لكثيرين أن كل ما يمكن قوله قد قيل، وأن الساحة الإعلامية استنفدت مفرداتها. غير أن الحقيقة أن ما طُرح في ذلك اللقاء لم يكن استهلاكًا للحظة، ولا إعادة تدوير لمواقف مألوفة، بل كان كسرًا واعيًا لجدار الصمت، وصوتًا عقلانيًا خرج في زمن تتراجع فيه السياسة أمام ضجيج الحرب، وتتوارى فيه الحكمة خلف الشعارات.

لم يكن ظهور سمير المشهراوي في هذا التوقيت ترفًا سياسيًا ولا استعراضًا إعلاميًا، بل ضرورة وطنية فرضتها مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد؛ مرحلة مثقلة بالأسئلة الكبرى التي لم تجد من يطرحها بجرأة: لماذا لم تُوحِّد الكوارث هذا الشعب؟ ولماذا لم تتحول التضحيات الجسيمة إلى لحظة مراجعة شاملة؟ ولماذا ما زال الترهل التنظيمي والسياسي قائمًا رغم كل هذا الخراب؟

في حديثه، بدا المشهراوي ممثلًا لمدرسة سياسية ترى أن الوطنية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة العقل على إدارة الخلاف، وبالشجاعة في تسمية الأخطاء دون مواربة. لم يدافع عن فصيل، ولم يهاجم آخر، بل انحاز بوضوح إلى الإنسان الفلسطيني، بوصفه جوهر القضية لا وقودها.

ومن بين الملفات التي جرى التوقف عندها في اللقاء، برز ملف موظفي غزة، لا باعتباره جوهر الخطاب أو محوره المركزي، بل كأحد التفريعات الإنسانية التي فرضها واقع الانقسام وتداعياته. هذا الملف، وإن كان حاضرًا في النقاش العام، لم يُطرح بوصفه عنوان صراع أو مادة استقطاب، بل كقضية اجتماعية نتجت عن خلل سياسي أعمق، لا يجوز تحميل تبعاته للفئات الأضعف، ولا تحويله إلى ساحة تصفية حسابات. من هنا، جاء التعاطي معه بوصفه ملفًا ثانويًا في سياق رؤية وطنية أشمل، لا تختزل الأزمة الفلسطينية في رواتب أو وظائف، بل تضعها في إطارها السياسي والأخلاقي الأوسع.

في مقاربته لملف موظفي غزة، أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، كان الخطاب واضحًا وخاليًا من المزايدة. الغالبية الساحقة من هؤلاء الموظفين، كما أكد، ليسوا طرفًا في الصراع السياسي، بل أبناء هذا الشعب، خرجوا يبحثون عن لقمة العيش قبل أن يبحثوا عن الاصطفاف. الكارثة لم تكن في الموظف البسيط، بل في القيادات السياسية والعسكرية، وفي بعض العناصر التي استخدمت القهر وسيلة حكم، وأهانت الناس، وضربت المجتمع بعصا الحقد، وأسقطت على وجوه المحاصرين دموعًا لا تُنسى.

وفي السياق ذاته، لم يتردد المشهراوي في توصيف قرار قطع الرواتب بأنه خطأ سياسي جسيم، لأنه اعتمد أسلوب العقاب الجماعي غير الوطني، الذي مسّ قوت الناس وكرامتهم. أما ما جرى تسويقه لاحقًا كـ«عفو عام» عن الموظفين المقطوعة رواتبهم، فقد بدا أقرب إلى معالجة إعلامية للاستهلاك الفضائي، لا حلًا حقيقيًا. فالملفات الوطنية لا تُحل بومضات إعلامية، بل بإرادة سياسية جادة، وبمعالجات شاملة، دون تجزئة أو تسويف.

الجرأة الأكبر في الخطاب تجلت عند الحديث عن سلاح المقاومة. لم يُنكر حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، لكنه وضع السؤال المؤلم في مكانه الصحيح: ماذا لو تحوّل السلاح، في ظل اختلال فادح في ميزان القوى، من أداة ردع إلى عبء على الشعب؟ عندها تصبح إعادة الحسابات بعقلانية واجبًا وطنيًا، لا خيانة، وتغدو المراجعة شجاعة، لا تراجعًا، بعيدًا عن العناد والمكابرة التي لم تنتج سوى المزيد من الدم والخراب.

في البعد الإقليمي، جاء التقدير واضحًا للدور المصري في إفشال مشروع تهجير الفلسطينيين، وفي السعي لتقريب وجهات النظر، وتحريك الجهود التفاوضية، وكسر الجمود السياسي. كما شدد المشهراوي على أهمية تضافر الجهود لإنجاح مجلس السلام، ودعم لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، باعتبارها المخرج الواقعي الوحيد لوقف النزيف، وصدّ العراقيل الإسرائيلية التي تستهدف أي محاولة لاستعادة الاستقرار.

ورغم الخصومة السياسية بين تيار الإصلاح الديمقراطي والسلطة الفلسطينية، كان الموقف لافتًا في وضوحه: على السلطة الفلسطينية أن تتولى دفة الحكم ضمن لجنة التكنوقراط، حفاظًا على وحدة القرار والشرعية، ومنعًا لمزيد من التفكك. هنا، غلب المنطق الوطني على حسابات الخصومة، في مشهد نادر في السياسة الفلسطينية المعاصرة.

اختيار المشهراوي للغة عامية مشبعة بروح الشارع لم يكن تفصيلًا شكليًا، بل رسالة مقصودة. أراد أن يكون قريبًا من الناس، من وجعهم وأسئلتهم، لا متعاليًا عليهم بخطاب خشبي. وحين قال: «لم تبقَ أيدينا معلقة في الهواء»، فتح باب تساؤل عميق: هل نحن أمام إعادة ترتيب داخل البيت الفتحاوي؟ أم أمام تفكير في أطر سياسية جديدة تتناغم مع التحولات الإقليمية والدولية، وتستجيب لواقع ما بعد الحرب؟

ما قيل في هذا اللقاء لم يكن رأيًا عابرًا، بل محاولة جادة لاستعادة السياسة من فم المدفع، وإعادة الاعتبار للعقل الوطني في زمن اختلطت فيه البطولة بالمأساة. إنها دعوة صريحة لوقف ضجيج الحرب، والانتقال إلى معركة البناء: بناء البيوت، واستعادة الحارة القديمة، حتى وإن كانت ناقصة بغياب الأحبة والأصدقاء.

في ختام حديثه، لم يطلق المشهراوي أمنيات شاعرية، بل رسم أفقًا سياسيًا وأخلاقيًا: مستقبلًا فلسطينيًا جديدًا، ترسو فيه مراكبنا المتعبة على شواطئ الأمن والأمان، مدفوعة برياح الوفاء والتضامن العربي والدولي. مستقبل لا يُدار بالصراخ، بل بالحكمة، ولا يُبنى بالعناد، بل بالشجاعة في قول الحقيقة.

حين يتكلم العقل… يسقط ضجيج الحرب.