الظاهرة الدحلانية...
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 17:39)

لا أذكر تحديدا متى انتشر ذلك المقطع الغنائي للمطرب الشعبي ابو عياش وهو يحلف بالطلاق في مواله الشهير بأن محمد دحلان هو الرئيس.

لكن الأكيد ان هذا الإعتقاد بقوة حضور دحلان وأحقيته بالرئاسة انتشر قبل أن يقول الصحفي الفرنسي عن غزة بأنها دولة دحلانستان كما قال الدكتور إبراش في مقاله.

وأجزم ان ستي رحمها الله كانت تقول بالبلدي بأن دحلان (لايقة عليه الرئاسة) .

هذا الكلام حول محمد دحلان وقوته وحضوره السياسي والتنظيمي والوطني كان حاضرا في الوعي الجمعي لشعبنا قبل حرب غزة وقبل الانقسام وحتى في حياة المرحوم ياسر عرفات ، حين كان يشار له غالبا من احبائه ومؤيديه وغالبية شعبنا وحتى الصحافة المحلية والعربية والعالمية بأنه (وريث عرفات) .

لم يكتسب دحلان هذا التوصيف من فراغ، بل من حضور قوي كشخصية سياسية ووطنية لها حضورها ومواقفها وهو الأمر الذي جعل الإعلامي اللامع ناصر اللحام يطلق عليه لقب الظاهرة الدحلانية، وبطبيعة الحال فإن شخصا بهذا الثقل سيجد له عداوات وخلافات كثيرة، والبعض في سبيل شرعنة هذه العداوة لن يجدوا سوى الإفتراءات والاتهامات كسيف مسلط على رقبة دحلان وهي ليست سوى محض افتراءات كانت دوما حاضرة في مسيرة الرجل.

فحين سعي دحلان لضخ دماء الشباب في الجسم التنظيمي لحركة فتح اتهموه بالسعي للاطاحة بخيارات عرفات في الانتخابات التمهيدية للحركة، وفي المؤتمر السادس وفي سبيل الإطاحة به إتهموه بالمسؤولية عن هزيمة غزة وقد خرج من هذه الاتهامات بريئا من أي شائبة، وكذلك فعلت حماس ثم تراجعت لاحقا.

المثير للسخرية في مقال ابراش الأخير أن التهمة التي حاول ابراش أن يلمح لها بخصوص دولة دحلانستان ، يدرك الكاتب اكثر من غيره أن لا أحد مسؤول عن فصل غزة عن الضفة سوى جماعة رام الله أولا وثانيا وعاشرا حين فرط ابو مازن بغزة تحت مظلة ان غزة راحت وأراحت واستراحت، ثم رفضت المقاطعة مجرد إجراء مراجعة وتحقيق خوفا من أن يدان الرئيس نفسه، ثم لم تكتفي بذلك بل لجأت الى تغليظ العقوبة على كل غزة بالفصل من الوظيفة والإقصاء من حركة فتح والذي طال كل شخص من غزة لا يدين بالسجود الكامل لمحراب الرئيس عباس، ومن سخريات القدر أن الوزير ابراش نفسه قدم استقالته من وزارة الثقافة إحتجاجا كما قيل حينها على سياسة الرئيس تجاه غزة.

أبو فادي محمد دحلان ورفيقه سمير المشهرواي اللذان دفعا ثمن مواقفهم كثيرا، دفعوه بالدم في مواجهة حماس وانقلابها ودفعوه بمحاولات الفصل من الحركة لاحقا رغم برائتهم التنظيمية والوطنية، لكن الواضح أن ظن قطاع عريض من ابناء شعبنا بدحلان لم يخيب ، فهو ليس من الرجال الذين يمكن تجاوزهم لا بسهولة ولا بصعوبة ايضا.

والبعض الذي أعتقد أن ابو مازن فاز على دحلان في معركة اقصاءه من المؤتمر السابع ، ادرك لاحقا ان دحلان ربما خسر المؤتمر لكنه بالتأكيد ربح فتح وغزة والكثيرين من الضفة والقدس باعتباره قد اصبح رمزا للمظلومية ،وسدا منيعا في وجه استفراد عباس وحاشيته.

فدحلان صاحب الخبرة السياسية الطويلة عمد طيلة الفترة الماضية إلى إبقاء يده ممدودة للمصالحة الفتحاوية و الوحدة الجغرافية والمؤسساتية بين غزة والضفة وهو يدرك جيدا ان عباس سيرفض ويتهرب بسبب خشيته من ان وجود دحلان سيهز عرش التوريث الذي يريده عباس لنجله ياسر .

دحلان وقيادة التيار كانوا أكثر جرأة في المصالحة الفصائلية وتحديدا مع حماس التي سارعت لالتقاط يد دحلان الممدوة دوما لكل ما من شأنه تعزيز وتصليب الموقف الفلسطيني.

وفي الحرب أدرك دحلان ان حدود تحركه تكمن في قدرته على توفير الدعم العربي لإغاثة الناس عبر عملية الفارس الشهم التي استطاعت الوصول في ذروة الكارثة إلى كل بيت طالته نكبة الحرب والنزوح والجوع .

وبعد ان وضعت الحرب أوزارها أو كادت، وصارت الفصائل والقوى المختلفة والناس يبحثون عمن يخلصهم وينقذهم اتجهت الانظار كالعادة لدحلان بإعتباره الرجل الذي يستطيع ان يقدم حلولا جامعة والعبور وسط الالغام السياسية الكثيرة في حقل المنطقة بحكم خبرته وعلاقاته.

و كالعادة ما إن ظهر إسمه حتى تعلقت الناس بحباله وصار حديث الشارع وأمنياته.

ولأن لكل ظاهرة وطنية خصومها واعدائها لأسباب كثيرة، يأتي مقال ابراش الذي يحاول فيه ان يناطح بقرون من طين ويبحث جاهدا عن إدانة تلك اليد التي بقيت ممدودة طيلة السنوات الماضية نحو المصالحة الفتحاوية و الوحدة الوطنية بين شقي الوطن، ليتهمه بانه جزء من مخطط فصل غزة عن الضفة، بيد ان الواقع يقول ان دحلان لا يبدو هو الحل والمخلص فقط لغزة من تبعات الحرب، بل هو الملخص للضفة ايضا من تبعات التوريث، فالوقائع على الأرض تقول ان مسألة الوحدة الوطنية بين غزة والضفة لن تحدث في عهد ابو مازن وحاشيته، ولن يقوى عليها سوى دحلان والمخلصين من فتح وابناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة وأن من يخشى أن يكون دحلان رئبسا لغزة فمن الواجب طمأنته بأنه لن يكون رئيسا لغزة فحسب، بل رئيسا قادما للقضية الفلسطينية، واذا كان ابراش يخشى من الانفصال فالناس تريده لتحقيق الوحدة الوطنية بين شقي الوطن وبين فتح وحماس بعد ان اصبح دحلان ظاهرة سياسية ووطنية تشق طريقها نحو استعادة حضور القضية الفلسطينية برمتها، وليس رجلا منقذا فحسب.