من حصاد الجولات الأخيرة
نشر بتاريخ: 2026/06/11 (آخر تحديث: 2026/06/11 الساعة: 15:12)

شهدت الأيام الأخيرة أحداثاً صاخبة من فصول الحرب المستمرة في المنطقة، وتنطوي على دلالات غاية في الأهمية بالنسبة لمجريات وتداعيات هذا الصراع، والمعادلات التي تحكم الأوضاع.

نبدأ بما يمكن اعتباره تآكل هيبة الدولة الأعظم، التي فشلت في تحقيق أهدافها، بعد أن حشدت إمكانيات عسكرية وتكنولوجية واستخبارية هائلة، كلفت الخزينة الأميركية مليارات الدولارات، حتى وجدت نفسها تغوص في مستنقع لا تعرف كيف تخرج منه.

بعد حرب الأربعين يوماً، هرب الرئيس الأميركي نحو فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، ظناً منه أن هذا الحصار الذي يفاقم من الأوضاع الاقتصادية والمجتمع الإيراني المنهك، سيؤدي إلى أحد أمرين، فإما استسلام القيادة الإيرانية، أو إثارة الفوضى الداخلية.

الولايات المتحدة لم تتراجع عن هدفها تغيير النظام الإيراني على الرغم من التحول نظرياً وإعلامياً، نحو التركيز على عدم امتلاك ايران برنامجاً نووياً عسكرياً، وفتح مضيق هرمز كما كان عليه الوضع قبل الحرب. يبحث ترامب عن مخرج يحفظ ماء الوجه، بسبب التداعيات الصعبة التي نجمت عن تلك الحرب، على الأوضاع الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة، ولكنه بعد أن عجز عن ذلك يبدو واضحاً، انه فعلاً يفضل الخيار الدبلوماسي.

كان ترامب كل الوقت يدعي أن ايران هي التي تتوسل المفاوضات، وان ثمة مؤشرات إيجابية على قرب التوصل إلى اتفاق على عكس ما يصدر عن ايران، حيث الهوة لا تزال واسعة بين الطرفين، الأداء الإيراني تجاوز مسألة الصمود إلى تغيير المعادلات، فهي تخوض مفاوضات صعبة باقتدار، وتمسك بشروطها وفي الوقت ذاته، لا تتأخر عن الرد على أي هجمات ما يعكس انهيار ميزان الردع لدى خصومها.

حين أقدمت القوات الأميركية على قصف جنوب ايران رداً على إسقاط طائرة أباتشي، جاء الرد سريعاً على القواعد الأميركية في المنطقة.

الطرفان، كل اكتفى بما اقدم عليه، إذ صمتت القوات الأميركية بعد أن تلقت الضربات الإيرانية، فيما شكل جولة محدودة تنطوي على رسائل تكتيكية جاءت نتيجتها لمصلحة ايران التي قالت الكلمة الأخيرة، خلال الجولات الأخيرة، آكدت الولايات المتحدة أنها الجهة المسؤولة عن قرارات الحرب، إذ لا يكف الرئيس ترامب عن الإعلان انه صاحب القرار وليس نتنياهو، الذي لن يكون أمامه أي خيار سوى قبول اتفاق مع ايران.

نائب ترامب جي دي فانس، كان قد اعلن، أن ثمة اختلافا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بشأن المصالح وأهداف كل منهما بالرغم من التوافق حول بعض الأهداف، لم يسبق لمسؤول أميركي أن تحدث بهذه الصراحة، حول تباين المصالح والإعلان عن أولوية الالتزام بالمصالح الأميركية.

وعلى خط موازٍ، تكررت المكالمات المتوترة والصعبة بين الرئيس ترامب، ونتنياهو الذي يبدي انصياعاً مؤقتاً ثم يعاود اللعب على خط التصعيد لإفساد إمكانية التوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات.

بعد التزام «حزب الله»، بالهدنة التي استمرت خمسة عشر شهراً، قدم خلالها لبنان مئات الشهداء والجرحى وتعرضت مدنه وقراه لعملية تدمير ممنهجة، وتهجير سكانها، خرجت إسرائيل باستنتاج أن الحزب بات ضعيفاً، وانهار تحت معركة الفصل بين الجبهات، وربما الولايات المتحدة أيضا قد وقعت في خطيئة هذه التقديرات.

الاختبار جاء سريعاً، بعد أن قصفت الطائرات الإسرائيلية شقة سكنية في الضاحية، وتجاهلت إسرائيل التهديد الإيراني، حيث جاء الرد الإيراني سريعاً وقوياً، لتأكيد حقيقة وحدة الساحات وفرض معادلة ردع جديدة، شمال إسرائيل، مقابل الضاحية، ما جعل إسرائيل تتحدث عن معادلة جديدة، تكبل يدها، وتحصر نشاطاتها العسكرية في جنوب لبنان.

لا يعرف احد، متى التزمت إسرائيل بما يتم الاتفاق عليه مع أي طرف آخر، ولذلك فإنها تواصل استهداف الأراضي اللبنانية حتى وصل القصف إلى مدينة النبطية وصور. وطوال الوقت لم تتوقف المحاولات، لتفجير الأوضاع وتصعيد الحروب.

حين يتعلق الأمر بحصر العدوان على جنوب الليطاني، فإن «حزب الله»، يحظى بشرعية الدفاع عن أراضيه وسيادة بلاده وقد فاجأ الجميع، بقدراته على إلحاق خسائر فادحة في صفوف الجيش الإسرائيلي، الذي بدأ يشكو من الطائرات المسيّرة والكمائن القاتلة التي يحضرها مقاتلو الحزب.

مرة أخرى، كان على نتنياهو أن ينصاع للقرار الأميركي، بما يؤكد تضرر قدرة إسرائيل على الردع، ويحجم قدرتها على تحقيق الأهداف، ما أدى إلى ارتفاع الأصوات داخل إسرائيل التي تتحدث عن الفشل، وفقدان استقلالية القرار.

لا تقف النتائج والاستخلاصات عند هذا الحد، بل إن نجاح ايران والحزب، والمحور، على فرض معادلة ردع مختلفة، قد أدى أيضاً إلى طي صفحة المفاوضات الجارية بين لبنان الرسمي وإسرائيل بمشاركة ورعاية أميركية.

لقد اختارت الرئاسة والحكومة اللبنانية الرهان على المفاوضات، لحماية لبنان وسيادة أراضيه، لكن هذا الرهان خاصة بالفصل ما بين لبنان وإيران.

الخط الذي تسعى لتحقيقه إسرائيل يشمل تحفيز الحرب الأهلية في لبنان، بعد أن ثبت عجزها عن نزع سلاح المقاومة، الأيدي على الزناد فالحرب مستمرة بأشكال ووسائل مختلفة، تصاحبها تغييرات جيوسياسية، جذرية في هذه المنطقة الحيوية.