مونديال في غزة ...
نشر بتاريخ: 2026/06/12 (آخر تحديث: 2026/06/12 الساعة: 17:35)

يقال، ولا أعرف إذا كانت المعلومة صحيحة أو مجرد افتراء وافتراض، أن أصل لعبة كرة القدم هي أنه وبعد انتهاء معركة بين جيشين من جيوش أوروبا في معاركها الكثيرة عبر التاريخ، صدفت أن جنوداً من باب التسلية لعبوا برأس أحد القتلى بأقدامهم ليدحرجوها.

وهكذا صارت لعبة عالمية

وتحولت الفكرة من اللعب بالرؤوس إلى اللعب بالعقول لتصبح ما نشاهده الآن، لعبة عالمية تلعب بعقول ملايين المشاهدين، لها قوانينها ومؤسساتها وتجارتها وملايين المتابِعين والمُخَدَرِين ونجومٌ يكسبون من ورائها الملايين أيضا .

هذا عالم ....

وفي غزة عالم آخر ...

في غزة وسط الركام والرماد والجدران الرمادية ذات الشقوق والآيلة للسقوط في مكان نجى من الهدِّ بإعجوبة، ثمة شاشة معلقة على بقايا جدار في غرفة سقفها سماء مليئة بطائرات مسيّرة قاتلة، تقف الشاشة مصلوبةً كنافذةٍ تطلُ على العالم وتمنح الجالسين حولها دفئاً طفيفاً وضوءاً خافتاً بينما هم يأكلون وقتهم بشراهةٍ علّه ينفذ بسرعة، يتابعون المونديال ولا يشجعون فريقا بعينه ولا يعرفون أسماء اللاعبين، يهللون ببلاهة لكل هدف او فرصةٍ ضائعة، بينما الهدف الوحيد والجميل الذي ينتظره الناجون أن يجدوا مشجعاً أو لاعباً قد تذكرهم بهتاف أو برَفْعِ علمِ بلادهم .

تجتمع شعوب العالم كلها في لحظة واحدة حول الشاشات في بيوتهم والأماكن العامة هرباً من غزة وأخبارها والحرب وترامب وجنونه.

يا غربتنا في هذا الزمن حين تصبح أمنياتنا أن ينشد لنا الناس ونحن في تابوتنا الكبير غزة وسط متعتهم الكروية ليقولوا لنا أنهم يتذكرونا و يتضامنون معنا لبرهةٍ، ثم يتابعون بشغف آداء فريقهم وبعضهم قد يبكي لهزيمةِ فريقه أكثر مما بكى على موتنا طيلة الحرب.

في غزة تلك البقعة التي نساها العالم وأدار لها ظهره وإهتمامه كما لو كانت حلقة من مسلسلٍ مكسيكي ممل، يتابع الناجون عبر تلك الشاشة المعلقة وأقصى أمنياتهم أن لا يتناقصوا وألا تتدحرج رأس أحدهم بين أقدام من يجاوره بفعل صاروخ غير طائش أطلقته مجندة لا هدف لها سوى التسلية بالقتل أو لأن مديرها تحرش بها أو أن عشيقها قد تأخر عن موعده .

البطولة في غزة هي ان تقف حارسا لشباك خيمتك خوفا من رصاصة تصيب هدفها في رأس طفلك..

البطولة هنا أن تركض هاربا من طائرة مسيرة او صاروخ يلاحقك..

البطولة هنا أن تنتظر هدنة على شكل صافرة حكم يعلن انتهاء جولة الحرب وتنتظر الأخرى..

في مونديال غزة المدرجات مليئة بمشاهدين أداروا لك ظهرهم.

البطولة هنا في غزة هي ان يبقى المجتمعون حول الشاشة أحياء الى نهاية البطولة.

فالفائز في غزة سيقف في لحظة التتويج وسط بقايا جثث اهله وركام منزله ، فائز ببطولة النجاة.

أن نبقى آحياء تلك بطولة

ولا بأس إن لعبوا بعقولنا لكن ليس برؤسنا .