باجـس أبـو عطـوان
نشر بتاريخ: 2026/06/22 (آخر تحديث: 2026/06/22 الساعة: 15:14)

في مثل هذا اليوم، قبل 52 عاماً استشهد الفدائي باجس أبو عطوان، وهذه المقالة مهداة إلى روحه، ولإحياء ذكراه، ليس تغنياً بالماضي التليد، بقدر ما هي فرصة لاستخلاص العِبر، وأهمها: أنَّ الفعل الصحيح (مهما كان حجمه) حين يكون في المكان الصحيح والزمان المناسب يعطي النتائج المرجوة؛ فبندقية باجس أحدثت تأثيراً أهم وأعمق بكثير مما تفعله الصواريخ الباليستية الآن.

العبرة الثانية: أن الكفاح المسلح (بوصفه وسيلة وأداة) أتى استجابة لمرحلة كانت لها معطياتها، وهذه المرحلة تغيرت بالكامل، وبالتالي توجَّب تغيير الأدوات والأساليب.. والثالثة: أن ندرك أن المقاومة ليست هدفاً بحد ذاته، ولا تنحصر فقط بالسلاح.. لنتابع:

ربما كانت أغرب رسالة تصل للقصر الملكي؛ رسالة موجهة للملك الأردني الحسين بن طلال، وموقعة باسم «باجس أبو عطوان».

سأل الملكُ رئيس ديوانه: من هذا الذي يخاطب الملوك بهذه اللغة!!

لا بد أنه شخص مهم.. وماذا يقصد بعبارته: «أدعوكم لتحريك قواتكم المسلحة على الفور، للثأر لشهداء السّموع، والدفاع عن قرانا وخِـرَبنا».

جاء في تقرير رئيس المخابرات العامة: «شاب مجهول، عمره ستة عشر عاماً، يسكن في بلدة «دورا».. ترك المدرسة قبل سنة، يعمل مع والده في مقهى البلدة الوحيد...».

مـرَّ عام كامل، لم يتلقَّ باجس رداً من القصر، وبينما كانت أخته هيفاء عائدة من مدرستها في آخر يوم دراسي، وفي طريقها نحو «خربة الطبقة»؛ حيث كان أهلها يستعدون لموسم الحصاد، كان رهط من الخِرب المجاورة يتراكضون من أمامها بشكل محموم، في عيونهم علامات خوف وقلق، وما أن عادت مع أهلها مساء للبيت، حتى علم الجميع بالخبر الفاجع: وقعَت النكسة.

كان «باجس»، قد سمع عن مجموعات فلسطينية مسلحة تشن غارات على مواقع إسرائيلية، تطلق على نفسها «قوات العاصفة».

من هؤلاء الفدائيون؟ كيف يصل إليهم؟ هل يكتب لهم رسالة، كما كتب للملك؟ وإذا كتب لهم هل سيردون عليه؟!

كان يترقب سماع أي خبر عنهم، يتطلع لرؤيتهم، يتمنى قدومهم لجبال الخليل. لم ينتظر «باجس» طويلاً؛ فقد جاءت خلية فدائية وضربت هدفاً قريباً من «خربة الطبقة».

سرعان ما عرف طريقه إليهم، وعلى الفور جعل من المقهى الذي يعمل فيه مع والده حلقة اتصال، ومركزاً للدعم اللوجستي. ما هي إلا أشهر معدودات، حتى قامت سلطات الاحتلال باعتقال أبو باجس، ثم هدمت لهم المقهى، والبيت.

لجأ «باجس» للجبال، رافضاً تسليم نفسه، كان الحاكم العسكري يعرف معنى اعتقال فتاة فلسطينية لأناس يعتبرون المرأة عنوان شرفهم؛ فاعتقل أختيه (هيفاء وعبلة) في محاولة لليّ ذراعه، ولأشهرٍ عديدة، كلّما ذكّـرَهُ أحد بأختيه الأسيرتين، كان يجيب: «احنا في زمن الثورة، وكل شي اختلف». ثم يغنّي بصوت مرتفع: طل سلاحي من جراحي..

منذ الآن، صار «باجس» «أبو شنار».. وسيعيش «أبو شنار» في الجبال، متنقلاً من وادٍ إلى آخر، مثل نحلة تحمل رحيق الثورة، وجعبتَي رصاص، وناياً يؤنس وحشته في الليالي الطوال.. شكّلَ مجموعة ضاربة من أربعة عشر فدائياً، وعلى مدى سبعة أعوام، نفَّذ ما يزيد على المائة وخمسين عملية..

كان يضرب في جوف الليل، مُسـخِّراً عتمته، متخفياً تحت جنحه، وفي أطراف النهار، متسللاً بين زخات الرصاص، أو كامناً تحت الردم، مثل النخيل في سنيّ القحط.. يختفي فجأة في أوقات حرجة، ثم لا يلبث حتى يظهر بسرعة كما أنه البرق في بهيم الليل، محتفظاً بابتسامته، الموت يحوم من حوله، وهو يؤجله سنة بعد سنة.

كانت كل هجماته مركزة على دوريات الجيش، لم يقتل مدنياً واحداً، حتى معسكرات الجيش القريبة من المدنيين كان يتجنبها؛ فقد كان يخشى أن ينتقم الاحتلال من القرى والخِرَب الفقيرة.

سبع سنوات وهو يقارع الاحتلال، لم تَحِدْ بندقيته بوصة واحدة عن قبلتها.. صار أهزوجة شعبية.. وزغرودة على شفاه الصبايا.. وحكاية ترقى لمستوى الأسطورة.. صار المطلوب الأول على قوائم الاغتيال، ظل مخبؤه سراً غامضاً حيَّـرَ الجميع.. كلما نصبوا له كميناً أفلت منه، فقد كان يحفظ جبال الخليل بتلالها وقيعانها وحجارتها وكهوفها.

وذات مرة وجد نفسه مطوقاً بفرقة من القوات الإسرائيلية، ولا سبيل أمامه للمناورة؛ فانسل بخفة الفهد في تجويف صخري ضيق، بالكاد أدخل جسمه فيه ثم أغلقه بحجر جيري كبير، بحثوا عنه حتى سخرت منهم حجارة الوادي، وارتدوا خائبين.

انتقل باجس مع فدائييه إلى منطقة الجوف، هناك احتفظ بسرّ مقره الجديد حتى يوم استشهاده؛ حين خانه صديق مقرّب، وأعطاه صندوق ذخيرة ملغَّماً.

كان باجس متلهفاً على تلقيم الكلاشن بمشط مذخر، لم يكن يعلم أن لحظات قليلة بقيت له على أرض أحلامه؛ فما أن فتح الصندوق حتى انفجر بوجهه، ارتمى باجس على كتف رفيقه علي ربعي وظل ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، أما علي فقد نسي جروحه ودمه الذي ظل ينزف حتى صبغ باب الكهف بالأحمر القرمزي، وروّى به الحقول المجاورة.

أخيراً عرف الجميع سرّ مخبئه الأخير: كهف كنعاني قديم، يبدأ بفتحة ضيقة مخفية، لكي يعبرها الفدائي كان يزحف على بطنه عشرين متراً، تنتهي بدرج قديم يفضي إلى مغارة أثرية محفورة في الصخر، كان الرعاة الكنعانيون يلجؤون إليها في حالات الطوارئ، كان باجس ورفاقه يتحصنون فيها، وهي في نظرهم قلعتهم الأخيرة.

بعد موته، ظلَّ باجس يخرج كل مساء.. يتفقد بيوت الفقراء، ومغاور الثوار.. ينادي على الأيائل.. يعزف بنايهِ لصخر الوادي، يتغزل بكرمة حلحول، وشوارع دورا، يقلّم أغصان البلوط برفق، وظل الشنار يفقس في كل ربيع أربعة عشر حجلاً جميلاً.. وظلت تحمل في مناقيرها عناقيد العنب، وتلقي بها على مثواه الأخير.. على كهف كنعاني آواه ورفاقه سبع سنين.

كان يقول: سأهديكم دمي تسقون به بساتينكم.. فتعطيه الأرض حنوناً وريحاناً.. ثم يقول: سأعطيكم دالية تنبت من جبهتي، وقمراً شَـوَتْهُ الشمس.. على أن تعطوني عَلماً، وخارطة لا تنقص بوصة.

كتب عنه الشاعران معين بسيسو، وعز الدين المناصرة وغيرهما.. في العام الماضي، في مدرسة دورا الابتدائية كتب تلميذٌ في كلمته الصباحية: سنعطيك يا باجس علماً واحداً، وخارطة كاملة.. لا تنقص بوصة واحدة.. هذا وعد العاصفة.