إيـران بـيـن عـهـدَيـن
نشر بتاريخ: 2026/07/07 (آخر تحديث: 2026/07/07 الساعة: 18:02)

تشييع إيران جثمان مرشدها الشهيد الراحل، علي خامنئي، بهذا الشكل الذي يجري فيه، يطلق العديد من الرسائل السياسية، كما أنه يبدو كما لو كان إعلاناً مبكراً للنصر، نظراً إلى أن الحرب لم تنتهِ أو لم تتوقف بعد، ولكن مجرد «فرض» وقف إطلاق النار، وإجبار أميركا على التفاوض، وذلك بالضد من رغبة شريكها في الحرب، يعتبر دون ريب «نصف نصر» إيراني على عدو يعتبر القوة العسكرية الأقوى عالمياً وإقليمياً، نقول هذا رغم مواصلة الرئيس الأميركي ادعاءاته الجوفاء، وكان آخرها، أنه لأسباب إنسانية لم يتخذ القرار باستهداف القيادة الإيرانية خلال مراسم التشييع، حتى لا يجد بعد ذلك من يفاوضه!

والحقيقة التي تظهر ترامب على صورة «المهرج السياسي» هي أن من يحقق أهدافه من خلال الحرب والمواجهة العسكرية لا يكون بحاجة إلى أن يوقف إطلاق النار دون إعلان انتهاء الحرب، ولا إلى وثيقة تفاهم دون اتفاقية سلام، والأهم أنّ من يحقق أهدافه من خلال القوة العسكرية لا يعود بحاجة إلى تحقيقها من خلال التفاوض، ووثيقة التفاهم تنص بشكل واضح على فتح مضيق هرمز من قبل إيران مقابل فك الحصار الأميركي عن موانئها، وبدء التفاوض على البرنامج النووي لمدة 60 يوماً، وفتح مضيق هرمز خلال هذه الستين يوماً دون مقابل، وهذا معناه أنه بعد الستين يوماً يكون الأمر شيئاً آخر، وأن كل ما يتبقى بعد ذلك بين أميركا وإيران هو التفاوض على البرنامج النووي مقابل إنهاء العقوبات الاقتصادية، وبذلك سقطت الأهداف الأخرى من الحرب، مثل الصواريخ والمسيّرات وحلفاء إيران.

أما عند تأمل ما يجري من تشييع للمرشد الراحل بالشكل الذي يجري فيه، فلا بد من ملاحظة أنه يجري أولاً بعد أكثر من أربعة أشهر على يوم استشهاده، وكان يمكن لإيران أن تقوم بدفن الجثمان حتى خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً، وكان ذلك سيكون في الليل، أي دون هذه المراسم التي تعلي من شأن ومكانة الراحل، إن كان في حياته أو بعد استشهاده، وهذا الفاصل بين الاستشهاد والدفن حدث مع الشهيد حسن نصر الله، الذي استشهد في 27 أيلول 2024، وشيّع ودفن يوم 23 شباط 2025، أي بعد أقل قليلاً من خمسة أشهر، هذا رغم أن وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل بدأ قبل ذلك بنحو شهرين، بالتحديد يوم 27 تشرين الثاني 2024. وهذا معناه أن تشييع نصر الله وخامنئي لم يكن خلال الحرب، ولم يكن أيضاً مباشرة بعد وقف إطلاق النار، ما يؤكد أنه جرى الإعداد للتشييع خلال ثلاثة شهور في الحالتين، للتأكيد على أن الحدث بالنسبة لهما جلل وبالغ الأهمية.

ما يلفت النظر أيضاً أن تشييع خامنئي يستمر أسبوعاً، يبدأ من العاصمة طهران وينتهي في مشهد مسقط رأسه، حيث على الأغلب سيكون مرقده مزاراً لقرون قادمة، مروراً بقم العاصمة الروحية لإيران، والعراق حيث كربلاء والنجف، وهذا المرور بالذات له دلاله بالغة الأهمية تظهر أن العراق وإيران دولتان بينهما حدود سياسية غير فاصلة لمجتمع يكاد يكون واحداً، خاصة على الصعيد الروحي/الديني.

أما هذا المرور وهذه المدة، فهما لإظهار حجم المشاركة الشعبية الضخمة التي ستكون قياسية، حيث بدأ التشييع بمشاركة ما بين 15 - 20 مليوناً فقط في طهران، يتقدمهم أنجال الراحل مصطفى ومسعود وميثم، دون مجتبى المرشد الجديد، الذي ما زال يواصل التخفي والتواري عن الأنظار الأميركية والإسرائيلية، لكن رغم عدم مشاركة زعامات دولية بارزة، ما يؤكد أن إيران ما زالت في موقع صدامي مع كثير من دول العالم، وحتى مع المحيط أو الجوار، لكن الأهم كانت هتافات الملايين في طهران المطالبة بالقصاص والثأر، بالتوازي في نفس الوقت مع جمع الأدلة لضمّها إلى الملف الذي تعده إيران للمحكمة الجنائية الدولية، حتى تتقدم بتهمة ارتكاب جريمة الحرب ضد ترامب ونتنياهو، اللذين قاما بشن الحرب على إيران واغتيال مرشدها، خارجَين بذلك على القانون الدولي، الذي لا يجيز التطاول على سيادة الدول المستقلة، فضلاً عن شن الحرب عليها وارتكاب جريمة القتل العمد بحق مواطنيها.

الرسالة الأهم من هذا التشييع الحاشد هي إظهار، بشكل لا ريب فيه، أن الهدف الإسرائيلي/الأميركي من اغتيال المرشد علي خامنئي، فشل تماماً، وقد كان الهدف «ضعضعة» النظام وإسقاطه، أو على الأقل إضعافه، وجعله قابلاً للاحتواء والتبعية، وقد جاء الرد أولاً من خلال الصمود الميداني لأربعين يوماً، قارعت خلالها إيران أميركا وإسرائيل معاً، بنديّة وردّت على القصف بالقصف، وعلى المطالب لاحقاً بالمطالب، وصولاً إلى فرض وقف إطلاق النار دون تحقيق الأهداف الأميركية على الأقل، فيما الأهداف الإسرائيلية أعلى بالطبع، بل وقصرها أولاً على فتح هرمز، ثم البرنامج النووي لاحقاً.

وخلال الستين يوماً، إيران تطالب بالإفراج عن أموالها المجمدة، مقابل فتح هرمز مجاناً، وفي حال عدم الإفراج عن تلك الأموال ستجد في رسوم المرور تعويضاً لها، وحلاً لضائقتها الاقتصادية، أما الوصول لاتفاق حول البرنامج النووي فهو «عشم ترامب في الجنة»، ومع انتهاء مراسم التشييع يكون قد انقضى نصف مدة الستين يوماً، وإيران ليست في عجلة من أمرها، فما زالت أمور هرمز بيدها، وما زال الوقت سلاحاً حاداً على رقبة ترامب، حيث كلما مر الوقت اقترب موعد الانتخابات النصفية، وقبلها انتخابات الكنيست الإسرائيلي، والنصر ما هو إلا صبر ساعة، والإيرانيون يتقنون سياسة الصبر الإستراتيجي، خاصة بعد أن خرجوا واقفين من المواجهة العسكرية مع أقوى جيوش العالم، ما جعلهم قوة إقليمية عظمى، وبسبب من أهمية الشرق الأوسط بدؤوا يشعرون بأنهم قوة عالمية، ولهذا السبب أصلاً كان نتنياهو يتبجح بالقول: إن إسرائيل قوة عظمى عالمية نظراً لقوتها العسكرية أولاً، وثانياً حين تفرض سيطرتها على الشرق الأوسط بوساطة هذه القوة.

في كل الأحوال، فإن تشييع علي خامنئي، ومن ثم دفن جثمانه رسمياً، سيكون بمثابة إعلان انتقال إيران داخلياً من مرحلة إلى أخرى، وذلك بالنظر إلى أن الراحل خامنئي كان المرشد الثاني بعد المؤسس آية الله روح الله الخميني، وخامنئي قاد إيران ثلاثة عقود متتالية، كانت بعد العشرية الأولى منذ الثورة، والتي انشغلت خلالها إيران في حرب مع العراق، ما يعني أن خامنئي هو الذي نسج هيكل النظام داخل إيران، وهو من زرع أذرع إيران في الخارج، وهو من قادها بهدوء على طريق تحدي أميركا ومعاداة إسرائيل، ونجح في تجنّب كل ما سعت إليه إسرائيل من مبرر لزجّ أميركا في الحرب ضد إيران منذ عقود، وهذا ما أعلنت عنه صراحة هيلاري كلينتون وزيرة خارجية باراك أوباما خلال ولايته الأولى بين عامَي 2009 - 2013، حيث أكدت محاولة نتنياهو الدفع بأميركا منذ ذلك الوقت لشن الحرب على إيران، وقد حاول هذا خلال ولاية جو بايدن عام 2024، لكنه نجح بذلك فقط مع ترامب.

إذاً اليوم الذي يدفن فيه جثمان علي خامنئي يعلن فيه، إلى جانب تحقيق النصر في الجولة الأولى - على الأقل - من الحرب، انتقال إيران من حقبة إلى أخرى، المقارنة بينهما في غاية الأهمية، فبينما كان رجال الدين في حقبة خامنئي الأب ركيزة النظام الأساسية، ستكون حقبة خامنئي الابن مرتكزة على القوى العسكرية، الحرس الثوري، الجيش، أجهزة الأمن والشرطة. وبينما كانت إيران خلال قيادة خامنئي الأب «دولة تقبع في الظل» وفق قاعدة «التقية الشرعية»، فإنها في عهد خلفه ستكون واحدة من دول الشرق الأوسط المركزية، بل هي منذ الآن باتت طرفاً يتفاوض مع أميركا، بعد أن كانت طرفاً في الحرب معها، ولا شك أن إيران وقد خرجت من الحرب أقوى سياسياً واقتصادياً، بات أمامها الأفق مفتوحاً لتكون إحدى ركائز النظام الإقليمي، سواء شاءت أميركا أو رفضت، وبالتأكيد رغم إرادة إسرائيل، وهي قد فرضت ربط مصير لبنان بمصيرها، وكذلك أكدت على علاقة اليمن والعراق الوثيقة بها، وقد خرجت بورقة هرمز، ما يعني أن تصبح قبلة لطالبي ود العلاقات التجارية، من دول شرق آسيا، وغرب أوروبا، ذات الوزن الاقتصادي والسياسي العالمي.

وعلى الأغلب ستذهب إيران لإتباع سياسة الغموض فيما يخص برنامجها النووي، وهي صارت تتحكم بزمام المبادرة تماماً لجهة قدرتها على الردع، بعد أن استنزفت نصف مخزون أميركا الإستراتيجي الصاروخي، مقابل ترميم قدراتها العسكرية، وكل هذا يعني أنها صارت قوة مركزية فاعلة بشكل صريح على مسرح السياسة الإقليمي بعد أن كانت كذلك في الكواليس.