الديمقراطية عند بئرٍ جاف
نشر بتاريخ: 2026/07/13 (آخر تحديث: 2026/07/13 الساعة: 14:07)

حين يُهدي العطشان صوته لمن يروي ظمأه

وسط الضوضاء التنظيمية والسياسية، وصخب المهرجانات الانتخابية التي تتعالى فيها الشعارات وتتنافس الوعود، يبرز سؤالٌ يرفض الغياب: هل تغيّر الانتخابات واقع التشرذم والانقسام؟ وهل تُمارَس الديمقراطية بوصفها حقاً حراً للمواطن، أم أنها تتحول أحياناً إلى طقسٍ شكليٍّ تُخفي خلف ستاره أشكالاً متعددة من الهيمنة والاستغلال؟

ولعلّ قصةً رمزية تحمل بعض الإجابة.

عاد كنعان من سفرٍ طويل قاصداً فلسطين، يشقُّ صدر الصحراء الملتهبة، حيث كانت الشمس تُسلّط سياطها على الرمال، والعطش ينهش ما تبقى من قوته، فيما كانت المخاطر تتربص به كذئابٍ جائعة على أطراف الطريق. كانت رحلةً مثقلة بالخوف والتعب والقلق، لكنه ظلّ يتشبث بحلم الوصول إلى أهله الذين طال فراقهم بفعل ظروفٍ عربيةٍ اعتادت الصمت أكثر مما اعتادت الإصغاء إلى وجع الفلسطينيين.

وبعد مسيرٍ شاق، لاح له في الأفق تجمعٌ من الخيام. اقترب بخطواتٍ متعبة، فشاهد خيمةً بيضاء كبيرة كُتب عليها: "مركز انتخابي". لم يعرها اهتماماً، فالجوع كان ينهش أحشاءه، والعطش يكاد يخطف منه آخر ما تبقى من قدرةٍ على الوقوف.

كانت القبيلة تعيش على حافة الجفاف؛ آبارها لفظت آخر أنفاسها، والأرض من حولها بدت كوجه شيخٍ أنهكه الزمن حتى تشققت ملامحه. لم يبقَ في الحقول سنابل، ولا في الأجواء زقزقة طيورٍ تبحث عن حبة قمح.

جلس كنعان تحت ظل شجرة جميز عتيقة يستريح من عناء الطريق، وفجأةً سمع ضجيجاً يتصاعد من جهة الخيمة البيضاء. نهض متثاقلاً، يجر جسده المنهك نحو مصدر الأصوات.

هناك رأى حشداً من الناس يلتفون حول رجلين.

كان الأول يقف بثوبٍ أبيض ناصع، يحمل قربة ماء تتدلى من كتفه كأنها وعدٌ بالحياة في أرضٍ نسيت طعم المطر، ويوزع على الناس أكواباً تروي ظمأ الأجساد.

أما الثاني، فكان رجلاً بسيطاً رثّ الثياب، يحمل كأساً رمزياً من العلم والمعرفة، ويدعو الناس إلى الوعي الذي يروي العقول ويوقظ الأرواح.

وقف كنعان حائراً.

فهو شاعرٌ ومثقف، ويعرف أن الأمم تُبنى بالعلم، وأن المعرفة هي الماء الذي لا ينضب. لذلك اتجه أول الأمر نحو صاحب كأس المعرفة، مؤمناً بأن الوعي هو الطريق الأقصر إلى الخلاص.

لكن العطش كان أسرع من أفكاره.

ارتجف جسده، وخارت قواه، وكاد يهوي على الأرض قبل أن يبلغ الرجل.

عندها تمتم بصوتٍ متعب:

"اعذرني أيها العلم، فما زالت في الحلق نارٌ لا يطفئها إلا الماء. إن الروح تتغذى بالمعرفة، لكن الجسد حين يصرخ عطشاً يعلو صوته على كل الحكمة."

ثم أضاف بحسرةٍ موجعة:

"سأمنح صوتي لمن يروي ظمئي. ليس لأن الماء أعظم من المعرفة، بل لأن الإنسان حين يُدفع إلى حافة الحاجة يصبح البقاء أولويته الأولى. فالجائع والعطشان لا يجوز إخضاعهما لأي عملية انتخابية؛ لأن الحرية التي تُحاصرها الحاجة ليست حريةً كاملة."

تناول الماء، وشرب حتى هدأت نار العطش في صدره، واستعاد شيئاً من قوته. لكنه لم يستعد طمأنينته.

راح يتأمل وجوه الناس حوله، وأدرك أن مأساة القبيلة لم تكن في جفاف آبارها فقط، بل في جفاف الخيارات أمامها. فحين يُجبر الإنسان على الاختيار بين حاجته الآنية ومستقبله البعيد، يصبح القرار أسيراً للضرورة لا للوعي.

عندها سالت الدموع في عيني كنعان، لا على نفسه، بل على القبيلة كلها. فقد رأى كيف يمكن للحاجة أن تعيد تشكيل القناعات، وكيف يصبح الماء برنامجاً انتخابياً، ورغيف الخبز مشروعاً سياسياً، وتتحول الكرامة الإنسانية إلى ورقةٍ في لعبة المصالح.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: هل تستطيع الديمقراطية أن تنتصر في ساحةٍ يطارد فيها الناس لقمة العيش وجرعة الماء؟ وهل يكون الاختيار حراً حين تُمسك الحاجة بخناق الإنسان؟

إن الديمقراطية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع، بل عند بئر الماء، ورغيف الخبز، وكرامة الإنسان. وما دام المواطن يصارع الجوع والعطش والخوف، فسيظل صوته يبحث عمّن ينقذ يومه قبل أن يفكر بمن يصنع غده.

ويبقى السؤال معلقاً في فضاء الواقع: هل تستطيع الديمقراطية مصارعة دهاء الديكتاتورية، أم أن الديكتاتورية ستظل تُنجب قياداتٍ ترى في المواطن سلّماً للصعود، لا إنساناً يستحق الحياة الكريمة؟

ذلك سؤالٌ لا تزال الإجابة عنه تنتظر صحوة الضمير قبل فتح صناديق الاقتراع.