الهيئة الوطنية للصمود.. خطوة على طريق الوحدة
نشر بتاريخ: 2026/07/15 (آخر تحديث: 2026/07/15 الساعة: 15:09)

لم يكن يوم الأحد الموافق 12 يوليو/تموز 2026 يومًا عاديًا في حياة من شاركوا في إطلاق الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية (صمود)، بل شكّل محطة وطنية مهمة جاءت استجابةً لسؤال ظل يتردد في أذهان النخب والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني، بل وفي وجدان عامة أبناء شعبنا: ماذا يمكن أن نفعل ونحن نعيش تجربة النزوح القاسية؟ هل نستسلم للواقع، أم نحاول – ولو بجهد المقل – أن نصنع فرقًا يحفظ للإنسان الفلسطيني كرامته وصموده؟

من هذا السؤال بدأت الفكرة، ثم تحولت إلى مشروع وطني حظي بقبول واسع، لأنه لم يأتِ ليكون إطارًا منافسًا لأحد، ولا بديلًا عن أي مكوّن سياسي أو وطني، وإنما مساحة جامعة تتسع للجميع، دون أن يُطلب من أي مشارك أن يتخلى عن انتمائه التنظيمي أو الفكري. فالمطلوب كان، وما يزال، أن يهب كلٌّ منا جزءًا من وقته وخبرته وجهده لتعزيز صمود النازحين، وصون كرامتهم الإنسانية والوطنية.

وعلى مدى أربعة أشهر من اللقاءات والنقاشات والحوار المسؤول، شارك عدد من الأكاديميين والإعلاميين والحقوقيين ورجال الفكر والعمل العام في بلورة رؤية الهيئة، وصياغة وثيقة شرف وطنية تمثل المرجعية الأخلاقية والوطنية لعملها، وتؤكد أن وحدة الجهد الوطني هي المدخل الحقيقي لمواجهة آثار الحرب والتهجير.

وقد شهد يوم الانطلاقة مشاركة عدد من المؤسسين الذين يمثلون مختلف ألوان الطيف الديني والوطني الفلسطيني، في رسالة واضحة تؤكد أن ما يجمع الفلسطينيين اليوم أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن معركة الصمود تستدعي اصطفافًا وطنيًا واسعًا يتجاوز الانقسامات والخلافات، ويضع الإنسان الفلسطيني في مقدمة الأولويات.

وقد أثار الإعلان عن الهيئة العديد من التساؤلات حول طبيعتها، ومن يمثلها، وحدود دورها. وكانت الإجابة واضحة منذ البداية: إن كل من يؤمن برسالتها، ويقتنع بأهدافها، ويحمل همّ النازحين والدفاع عن كرامتهم، فهو جزء منها، وهي جزء منه. فالهيئة ليست إطارًا مغلقًا، ولا ناديًا للنخبة، بل مبادرة وطنية مفتوحة أمام كل صاحب ضمير وإرادة وعطاء.

وتؤكد الهيئة التزامها الكامل بثوابت القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وفق القرارات الدولية. كما تؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية السياسية الجامعة للشعب الفلسطيني، والممثل الشرعي له، بما يعزز وحدة القرار الوطني، ويحفظ الشراكة الوطنية، ويصون المصالح العليا لشعبنا في هذه المرحلة الدقيقة.

إن نجاح هذه المبادرة لن يقاس بعدد أعضائها، وإنما بما تستطيع أن تحققه من أثر في حياة الناس، وما تبنيه من جسور ثقة وتعاون بين أبناء شعبنا، وما توفره من مظلة وطنية وإنسانية لتعزيز الصمود، والدفاع عن حق الفلسطيني في الحياة الكريمة على أرضه، ورفض كل مشاريع التهجير والاقتلاع.

ولعل أهم ما يميز هذه المبادرة أنها انطلقت من رحم المعاناة، ومن قلب تجربة النزوح نفسها، لتؤكد أن الشعب الفلسطيني، مهما اشتدت عليه المحن، يبقى قادرًا على إنتاج المبادرات، وصناعة الأمل، وتجديد أدوات الصمود، والإيمان بأن المستقبل يُبنى بالإرادة والعمل المشترك، لا بالاستسلام لليأس.

إن الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية ليست نهاية الطريق، بل بداية لمسار وطني وإنساني نأمل أن تتسع دوائره يومًا بعد يوم، وأن يلتف حوله كل المؤمنين بأن وحدة الشعب، وتعزيز صموده، والحفاظ على كرامته، هي الركائز الأساسية التي يمكن البناء عليها في مواجهة التحديات الراهنة، وصولًا إلى الحرية والاستقلال وإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني.