غزة بين الجرذان والقمامة... هل ننتظر الكارثة الصحية؟
نشر بتاريخ: 2026/07/22 (آخر تحديث: 2026/07/23 الساعة: 00:44)

إذا كانت الحرب قد قتلت الإنسان وهدمت الحجر، فإن ما خلفته من قمامة وركام يهدد اليوم ما تبقى من الحياة في قطاع غزة. فالمشهد الذي يراه المواطن كل صباح لم يعد يقتصر على المباني المدمرة والشوارع المحفورة، بل أصبحت أكوام القمامة جزءًا من المشهد اليومي، تحاصر الأحياء السكنية، وتنتشر بين المنازل ومراكز الإيواء والأسواق والمدارس، في واحدة من أخطر الأزمات البيئية والصحية التي عرفها القطاع منذ عقود.

لقد تحولت شوارع غزة إلى مكبات مفتوحة للنفايات، تتراكم فيها آلاف الأطنان من المخلفات المنزلية وبقايا الطعام والمواد العضوية، دون قدرة حقيقية على جمعها أو التخلص منها. ومع كل يوم يمر، تتضاعف الكميات، وتزداد الروائح الكريهة، وتنتشر الملوثات، بينما يعيش المواطنون وسط بيئة لم تعد صالحة للحياة الإنسانية.

إن القمامة ليست مجرد مشكلة تتعلق بالنظافة أو المظهر الحضاري، بل هي بداية سلسلة طويلة من الكوارث الصحية. فكل كيس نفايات متروك في الشارع يتحول إلى بؤرة لتكاثر الذباب والبعوض والصراصير، وكل كومة قمامة تصبح مأوى للقوارض التي تبحث عن الغذاء والمكان الآمن للتكاثر.

وما يزيد من خطورة المشهد أن الحرب خلفت آلاف المنازل المهدمة وأكوامًا هائلة من الركام، فتحولت هذه الأنقاض إلى أوكار طبيعية للفئران والجرذان، بل وحتى لحيوان العرس الذي باتت مشاهدته تتكرر في عدد من المناطق السكنية. كما تنتشر الزواحف والحشرات السامة بين الركام والنفايات، لتشكل جميعها تهديدًا إضافيًا لحياة السكان، وخاصة الأطفال الذين يلعبون بالقرب من هذه الأماكن أو يضطرون للعيش بجوارها.

إن انتشار الفئران والجرذان والقوارض الأخرى ليس مجرد ظاهرة مزعجة، بل إن وجودها بكثافة يعكس خللًا بيئيًا خطيرًا. فهي تتغذى على النفايات، وتتحرك بين القمامة والمنازل، وتلوث الطعام ومصادر المياه والأسطح التي يلامسها الإنسان، بينما توفر أكوام القمامة والركام البيئة المثالية لاستمرار تكاثرها وانتشارها.

وفي الوقت ذاته، بدأت المؤشرات الصحية تدق ناقوس الخطر. فلم يعد انتشار الأمراض الجلدية أمرًا عابرًا، بل أصبح ظاهرة يعيشها معظم سكان قطاع غزة. يكاد لا يخلو منزل من طفل أو امرأة أو رجل يعاني من طفح جلدي أو حكة أو التهابات جلدية مزمنة، كما ظهرت حالات جلدية لم تكن مألوفة لدى كثير من المواطنين من قبل، في ظل تدهور البيئة، ونقص المياه النظيفة، وصعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية، والانهيار الكبير في الخدمات الصحية.

إن استمرار هذا الواقع ينذر بعواقب لا يمكن الاستهانة بها. فعندما تجتمع القمامة، والمياه الملوثة، والركام، والقوارض، والحشرات، والاكتظاظ السكاني، وضعف خدمات الصرف الصحي، فإن جميع مقومات انتشار الأمراض تصبح متوافرة. ومع غياب التدخل السريع، قد تتفاقم المخاطر الصحية وتزداد احتمالات تفشي الأمراض المعدية، الأمر الذي قد يضع القطاع أمام أزمة صحية واسعة يصعب احتواؤها في ظل الإمكانات المحدودة.

إن ما يحدث اليوم ليس أزمة نظافة، بل أزمة أمن صحي تمس حياة أكثر من مليوني إنسان. ولذلك فإن التعامل معها يجب أن يكون على مستوى حالة طوارئ وطنية، لا مجرد حملات مؤقتة لإزالة النفايات.

إن المسؤولية الأولى تقع على عاتق القيادة الفلسطينية والجهات الحكومية والبلديات، التي يجب أن تضع ملف النظافة العامة والصحة البيئية في مقدمة أولوياتها، من خلال توفير الإمكانات اللازمة لإزالة أكوام القمامة، وفتح مكبات صحية مؤقتة، وإزالة الأنقاض التي أصبحت مأوى للقوارض، وتنفيذ حملات شاملة ومستمرة لمكافحة الفئران والجرذان والحشرات، مع تعزيز برامج الرصد الصحي والتوعية المجتمعية، ودعم البلديات بالآليات والوقود والمعدات التي تمكنها من أداء واجبها.

كما أن المجتمع الدولي، الذي يتابع آثار الحرب في غزة، مطالب بتحمل مسؤولياته الإنسانية، فإعادة الإعمار لا تبدأ بإصلاح المباني فقط، بل تبدأ بإزالة مصادر الخطر التي تهدد حياة الناس كل يوم.

إن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الكوارث الصحية لم تبدأ بفيروس غامض، بل بدأت بإهمال البيئة، وتراكم النفايات، وتدهور خدمات الصحة العامة. واليوم، تقف غزة أمام هذا الخطر الحقيقي، بينما الوقت يمضي، والقمامة تتراكم، والقوارض تنتشر، والأمراض تتزايد.

إننا نطلق هذا النداء من منطلق المسؤولية الوطنية والإنسانية، ونطالب القيادة الفلسطينية، والبلديات، والمؤسسات الصحية، والمنظمات الدولية، بالتحرك الفوري قبل فوات الأوان. فلا يجوز أن ينجو الإنسان من القصف ليواجه خطر المرض بسبب الإهمال البيئي، ولا يجوز أن تصبح شوارع غزة، التي دفعت أثمانًا باهظة في الحرب، مصدرًا لتهديد حياة أهلها.

إن تنظيف الشوارع اليوم ليس عملًا خدميًا فحسب، بل هو معركة لحماية الصحة العامة، والدفاع عن حق الإنسان في الحياة. فكل يوم يتأخر فيه الحل، يقترب قطاع غزة خطوة أخرى من كارثة صحية قد تكون آثارها أشد قسوة من آثار الحرب نفسها.