في ظل الحرب المستمرة وتداعياتها الإنسانية القاسية، لم تعد التحديات التي تواجه سكان قطاع غزة تقتصر على نقص الغذاء والدواء والمأوى، بل امتدت إلى أزمات صحية وبيئية متفاقمة تهدد حياة مئات آلاف النازحين. ومن هنا تبرز أهمية مشروع مكافحة القوارض والحشرات الذي أطلقته عملية الفارس الشهم (3) بالتعاون مع المنظمات الدولية والأممية، باعتباره خطوة تتجاوز الإغاثة التقليدية نحو تعزيز مفهوم الطب الوقائي وحماية الصحة العامة.
المشروع، الذي أُعلن عنه خلال مؤتمر صحفي شارك فيه ممثلو الأمم المتحدة ومنظمات دولية وهيئات محلية، يستهدف مكافحة القوارض والحشرات في مخيمات النزوح والمناطق المكتظة بالسكان باستخدام وسائل آمنة وفعالة، للحد من انتشار الآفات وتقليل مخاطر الأمراض المرتبطة بها.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أصعب الأزمات البيئية في تاريخه، حيث تتكدس النفايات الصلبة قرب التجمعات السكانية وخيام النزوح، فيما تتراجع الخدمات الأساسية المرتبطة بالصحة العامة والبيئة. ومع ارتفاع درجات الحرارة وغياب البنية التحتية المناسبة، أصبحت القوارض والحشرات جزءاً من المشهد اليومي الذي يهدد السكان، وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن.
ومن زاوية تحليلية، يطرح هذا المشروع سؤالاً مهماً: أين دور منظومة الطب الوقائي التابعة للجهات الحكومية في غزة أمام هذه الكارثة البيئية والصحية المتفاقمة؟ فالحاجة اليوم لا تقتصر على علاج الأمراض بعد انتشارها، بل تتطلب سياسات وقائية واستباقية تحد من مسبباتها وتحاصر مصادر الخطر قبل تحولها إلى أوبئة واسعة النطاق.
لقد نجحت عملية الفارس الشهم (3) خلال الفترة الماضية في توسيع نطاق تدخلاتها الإنسانية، فلم تقتصر على المساعدات الغذائية أو الخدمات الصحية والإغاثية، بل اتجهت نحو دعم الصحة البيئية والطب الوقائي، وهي خطوة تعكس فهماً عميقاً لاحتياجات المجتمع في هذه المرحلة الحرجة، وتسهم في سد ثغرات حقيقية فرضتها ظروف الحرب والدمار.
غير أن مكافحة القوارض والحشرات لن تحقق أهدافها الكاملة ما لم تترافق مع معالجة جذور المشكلة. فالقوارض لا تنشأ من فراغ، بل تجد بيئة خصبة في أكوام النفايات المتراكمة ومياه الصرف غير المعالجة ومخلفات الدمار المنتشرة في محيط مخيمات النزوح. كما أن هذه البيئة تشكل حاضنة لانتشار الذباب والبعوض والبراغيث والصراصير، بما يزيد من احتمالات تفشي الأمراض والأوبئة بين السكان.
لذلك، فإن فلسفة الطب الوقائي تقوم على مكافحة السبب قبل الظاهرة، ومعالجة البيئة الملوثة قبل التعامل مع نتائجها الصحية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حملات متكاملة لإدارة النفايات وتحسين البيئة العامة وتعزيز الوعي الصحي، إلى جانب استمرار برامج المكافحة الميدانية، بما يضمن نتائج أكثر استدامة وفاعلية.
وفي الوقت الذي تستحق فيه هذه المبادرة كل التقدير، فإنها تذكرنا بأن حماية الإنسان في غزة لا تبدأ فقط من توفير الغذاء والدواء، بل من بناء بيئة صحية وآمنة تقلل من المخاطر التي تهدد حياة النازحين يومياً. ومن هنا، يتوجب أن تتحول مكافحة القوارض والحشرات إلى جزء من خطة أشمل لمعالجة أزمة النفايات والحد من مسببات التلوث البيئي، انسجاماً مع فلسفة الطب الوقائي القائمة على معالجة الأسباب قبل النتائج.
ويبقى الشكر موصولاً لدولة الإمارات العربية المتحدة على ما تقدمه من مبادرات إنسانية نوعية لدعم أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، كما يستحق التقدير أعضاء لجنة إسناد عملية الفارس الشهم (3)، وفرسانها، وجميع العاملين والمتطوعين والطواقم الميدانية الذين يواصلون العمل في ظروف استثنائية من أجل إنجاح برامج العملية ومشاريعها الإنسانية والصحية والإغاثية. فخلف كل مشروع ناجح جهود مخلصة تبذل بصمت، وتسهم في التخفيف من معاناة الناس وتعزيز صمودهم في مواجهة الظروف القاسية.