المحكمة الجنائية الدولية… عندما يُحاكم القانون ويُبرَّأ الأقوياء…
نشر بتاريخ: 2026/07/29 (آخر تحديث: 2026/07/29 الساعة: 11:14)

ليست المحكمة الجنائية الدولية هي التي تقف اليوم في قفص الاتهام، بل العدالة الدولية نفسها.

فالمحكمة التي أنشأها العالم قبل أكثر من ربع قرن لتكون الضمير القضائي للبشرية، ولتضع حداً لإفلات مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من العقاب، تجد نفسها اليوم محاصرة بالضغوط السياسية، ومهددة بفقدان استقلالها، ليس لأنها خالفت القانون، بل لأنها اقتربت من ملفات لا يريد الأقوياء أن يقترب منها أحد.

إقالة المدعي العام كريم خان ليست مجرد تغيير إداري داخل مؤسسة قضائية، كما أن صعوبة اختيار خلف له ليست مجرد أزمة إجرائية، وانسحاب بعض الدول من المحكمة ليس مجرد خلاف قانوني. إنها جميعاً مؤشرات على أزمة أعمق تضرب فكرة العدالة الدولية في صميمها.

لقد تأسست المحكمة الجنائية الدولية على مبدأ بسيط وواضح: لا أحد فوق القانون. ولا أحد خارج دائرة المساءلة. لكن الواقع الدولي يبدو وكأنه يعيد صياغة هذا المبدأ ليصبح: لا أحد فوق القانون.. إلا إذا كان قوياً بما يكفي. وهذا هو جوهر الأزمة.

فعندما طلب المدعي العام السابق كريم خان إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، لم يكن يلاحق مسؤولين إسرائيليين فقط، بل طلب، في القضية نفسها، إصدار مذكرات توقيف بحق ثلاثة من قادة حركة حماس، هم يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

كان ذلك، من حيث المبدأ، تطبيقاً لفكرة أن العدالة لا تعرف هوية الضحية ولا هوية الجاني، وأن القانون يجب أن يطال كل من توجد بحقه أدلة كافية، أياً كان موقعه أو انتماؤه.

لكن ما حدث بعد ذلك كشف هشاشة النظام الدولي أكثر مما كشف عن أي خلل داخل المحكمة.

فلم تنفجر الأزمة لأن المحكمة لاحقت قادة حماس، ولم تتحرك حملات التشكيك لأنها اتهمت من نفذوا هجمات السابع من أكتوبر، وإنما بدأت العاصفة الحقيقية عندما امتدت يد القضاء إلى مسؤولين إسرائيليين.

عندها لم يعد النقاش يدور حول الأدلة، ولا حول الإجراءات القضائية، بل حول كيفية إيقاف المحكمة نفسها.

ضغوط سياسية.. عقوبات..تهديدات.. محاولات لعزل المحكمة.

وأحاديث عن الضغط على الدول الأعضاء للانسحاب منها أو تقليص تعاونها معها.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت المحكمة تُصفَّق لها عندما تُحاكم خصوم الغرب، لكنها تُعاقب عندما تقترب من حلفائه، فهل المشكلة في المحكمة.. أم في عالم لا يريد عدالة إلا بالقدر الذي يخدم مصالحه؟

إن أخطر ما تواجهه المحكمة اليوم ليس انسحاب بعض الدول، ولا استبدال مدعٍ عام بآخر، بل الرسالة التي تُرسل إلى العالم: هناك متهمون يجوز الاقتراب منهم، وآخرون تحيط بهم حصانة سياسية، مهما كانت طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.

وهذه ليست المرة الأولى..

ففي العراق، استُخدمت ممارسات نظام صدام حسين، لتبرير حرب غيّرت وجه المنطقة. لكن بعد الاحتلال، عندما كُشفت انتهاكات موثقة، وجرائم ضد الإنسانية، من بينها فضيحة سجن أبو غريب، وجرائم الأغتيالات الممنهجة، لم نشهد الحماس نفسه للمحاسبة الدولية، ولم تتحرك العدالة بالزخم ذاته.

وفي سوريا، لا أحد يستطيع إنكار الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد بحق شعبه، وهي جرائم تستوجب المساءلة أمام قضاء مستقل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يبدو مبدأ العدالة ثابتاً في مواجهة طرف، ومرناً في مواجهة طرف آخر؟

فقد شهد العالم انفتاحاً سياسياً متزايداً على أحمد الشرع، رغم أن مسيرته تضمنت الانتماء إلى تنظيم داعش في مرحلة سابقة، ثم قيادة جبهة النصرة، التي كانت فرع تنظيم القاعدة في سوريا، وهما تنظيمان ارتبط اسماهما بارتكاب جرائم مروعة هزت ضمير الإنسانية. وهنا التساؤل عن ثبات المعيار. فإذا كانت الخلفية المرتبطة بتنظيمات مسؤولة عن جرائم موثقة يمكن تجاوزها عندما تتغير المصالح السياسية، فلماذا تُرفع راية العدالة المطلقة في ملفات، وتُستبدل في ملفات أخرى بلغة الواقعية السياسية؟

إن العدالة لا تتجزأ.. ولا تُقاس بجنسية المتهم.. ولا تُحددها قوة الدولة التي ينتمي إليها.. ولا ينبغي أن تتغير بتغير التحالفات.

ولعل أخطر ما يهدد المحكمة الجنائية الدولية اليوم ليس خصومها اللذين يعلنون عن أنفسهم، بل أولئك الذين يعلنون دعم القانون الدولي، ثم يسعون إلى تقويضه عندما يقترب من دوائر نفوذهم.

إن المحكمة الجنائية الدولية يجب أن تكون فوق الابتزاز السياسي.

وإذا كان المجتمع الدولي يسمح بمعاقبة المحكمة لأنها حاولت أن تطبق القانون على الجميع، فإن الرسالة التي تصل إلى شعوب العالم واضحة: العدالة ليست حقاً متساوياً للجميع، بل امتياز تمنحه موازين القوة.

وهنا فإن الخاسر لن يكون المحكمة الجنائية الدولية وحدها، بل فكرة القانون الدولي بأكملها.

فالعدالة التي تنحني أمام القوة ليست عدالة.. والقانون الذي يخشى الأقوياء لا يحمي الضعفاء.

وحين يصبح القضاء الدولي رهينة للسياسة، لا يعود السؤال: من ارتكب الجريمة؟

بل يصبح السؤال الأكثر مرارة:

من يملك القوة الكافية حتى لا يُحاكم؟

نعم من يملك القوة لا يحاكم..