لا تخرج التسريبات السياسية المؤثرة من فراغ، ولا تُنشر عبثًا، ولا سيما عندما يكون مصدرها مؤسسة إعلامية رسمية بحجم هيئة البث الإسرائيلية. ففي عالم الصراعات، غالبًا ما يكون توقيت التسريب جزءًا من الرسالة السياسية، وليس مجرد نقلٍ لمعلومة.
التسريب الأخير، الذي كشف تعهدًا من "مجلس السلام" بالعمل على إيجاد دول تستقبل طلابًا ومرضى من قطاع غزة، يعيد إلى الواجهة ملفًا ظل حاضرًا في الكواليس منذ بداية الحرب، وهو ملف إخراج سكان غزة إلى الخارج بصيغ مختلفة. ورغم أن الوثيقة تتحدث عن الطلاب والمرضى، فإنها تفتح الباب أمام ما يُسمى بـ"الهجرة الطوعية"، بوصفها بديلًا أكثر قبولًا دوليًا بعد سقوط مشروع التهجير الواسع الذي اصطدم برفض عربي وإقليمي ودولي.
لكن أهمية التسريب لا تكمن في مضمونه فقط، بل في الجهة التي سرّبته والتوقيت الذي اختير لنشره. فمن الصعب تجاهل أن إسرائيل، عبر هذا التسريب، تبدو وكأنها تكشف للرأي العام طبيعة العلاقة التي ربطتها بمجلس السلام، وتقدمه باعتباره شريكًا في تنفيذ رؤيتها، لا وسيطًا محايدًا كما حاول أن يظهر منذ تأسيسه.
هذه القراءة تقود إلى فرضية سياسية مفادها أن إسرائيل ربما بدأت بالفعل عملية تفكيك المجلس سياسيًا وإعلاميًا. فحين تُكشف وثائق كانت تُدار بسرية، ويُسلَّط الضوء على توافقات حساسة، فإن ذلك قد يكون مؤشرًا على انتهاء الحاجة إلى هذا الإطار، أو على الأقل انتهاء الدور الذي أُنشئ من أجله.
وقد يكون الهدف من ذلك متعدد الأبعاد. فمن جهة، توجيه ضربة لمصداقية المجلس أمام الفلسطينيين، وإظهار أنه لم يكن يومًا جهة مستقلة، بل أداة تعمل ضمن الرؤية الإسرائيلية بوسائل أكثر نعومة وأقل تكلفة سياسية. ومن جهة أخرى، إرسال رسالة واضحة بأن إسرائيل لم تعد ترى نفسها ملزمة بما يصدر عن المجلس، وأنها بصدد استعادة حرية الحركة بعيدًا عن أي قيود سياسية أو تفاهمات سابقة.
ويعزز هذا الانطباع ما صدر مؤخرًا عن المبعوث الأمريكي، حين أعرب عن أسفه لسقوط مدنيين، ثم أتبع ذلك بدعوة الطرفين إلى تحمل مسؤولية تنفيذ الاتفاق. هذا الخطاب يمكن قراءته باعتباره محاولة للإيحاء بأن الجهات الراعية أدت ما عليها، بينما فشل الأطراف في الالتزام، وهي صيغة تُستخدم عادةً لتهيئة الرأي العام لتراجع دور الوسيط أو إنهاء مهمته تدريجيًا.
كما أن إسرائيل، بوصفها عضوًا في هذا المجلس، تعاملت مع قطاع غزة والمقاومة باعتبارهما عقبة أمام مشروع "السلام الإقليمي"، وهو ما يفسر رفضها المتكرر لفكرة نشر قوة دولية في القطاع، لأنها ترى أن احتكار استخدام القوة يجب أن يبقى بيدها وحدها، وترفض عمليًا وجود أي جهة تمتلك شرعية أمنية أو عسكرية موازية داخل الأراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يصبح التسريب جزءًا من عملية إعادة تشكيل المشهد السياسي، تمهيدًا لإنهاء تأثير مجلس السلام في ملف غزة، وربما الدفع نحو تفكيكه بصورة تدريجية بعد أن استنفد وظيفته.
ومن اللافت أيضًا أن التصعيد العسكري الأخير، الذي شهد ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الضحايا والاستهدافات، جاء في توقيت حساس تزامن مع تراجع الولايات المتحدة عن توجيه ضربة لإيران، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة ترى أن إسرائيل سعت إلى إعادة ملف غزة إلى صدارة الاهتمام، ووضع الإدارة الأمريكية، والرئيس دونالد ترامب، أمام ضغوط جديدة تتعلق بالحرب ومسؤولية إدارتها السياسية.
في النهاية، تبقى السياسة محكومة بالمصالح أكثر من المبادئ. فالتحالفات تُبنى عندما تتقاطع المصالح، وتُفكك عندما تنتهي الحاجة إليها. وما كان يُدار بالأمس في الغرف المغلقة قد يصبح اليوم مادةً للتسريب، ليس بهدف كشف الحقيقة فقط، بل لإعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى. وإذا صحت هذه المؤشرات، فإن ما نشهده ليس مجرد تسريب لوثيقة، بل إعلان غير مباشر عن بداية أفول دور مجلس السلام في ملف غزة، وعودة إسرائيل لإدارة هذا الملف وفق رؤيتها المنفردة، بعيدًا عن أي شراكة أو غطاء سياسي كانت تحتاج إليه في مراحل سابقة.