السياسة ما قبل الجاهلية
نشر بتاريخ: 2026/08/17 (آخر تحديث: 2026/08/17 الساعة: 15:34)

أي مجنون يمكن أن يقبل، أو يفهم، أو يهضم الذرائع التي تجعل رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، يصف دولة وعد بلفور، بأنها الجمهورية الإسلامية البريطانية. هذا التوصيف الذي يطلقه نتنياهو على الحكومة الجديدة برئاسة العمالي أندي بورنم، يقترب من أن يشبّه بريطانيا بإيران، بسبب تصريحات منسوبة إلى وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، الذي يفكر ولم يتخذ قراراً بعد بشأن عقوبات محتملة بحق بعض وزراء حكومة نتنياهو، وتشمل عقوبات بحق المستوطنين، وجماعات تحت غطاء خيري داعمة للاستيطان، وربما تبلغ تلك العقوبات وقف تصدير السلاح لإسرائيل.

السياسة العقلانية تفترض، في مثل هذه الحالات، تنشيط الوسائل الدبلوماسية وربما تنشيط عوامل ضغط أخرى لمنع أو تحجيم مثل هذه التوجهات، ولكن أين إسرائيل من التفكير والسلوك العقلاني، أو الطبيعي؟

تعودت الحكومات الإسرائيلية، خصوصاً التي قادها نتنياهو، على التعامل بفوقية وعنجهية، وتوجيه الإهانات لرؤساء وزعماء دول حليفة بما في ذلك الداعم التاريخي الأكبر والأوفى لإسرائيل، ونقصد الولايات المتحدة.

ربما علينا التذكير بجملة الإهانات التي وجهها نتنياهو للرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، الذي رد عليها في أواخر أيام وجوده في البيت الأبيض، حين سمح في مجلس الأمن بتمرير قرار تاريخي يعتبر الاستيطان غير شرعي ويدعو إلى وقفه.

حتى خلال فترة بايدن الذي أعلن أنه صهيوني وأعلن وزير خارجيته بلينكن أنه يهودي، وقدم كل الدعم السياسي والعسكري والأمني والاستخباري للحرب الإبادية التي خاضها نتنياهو، لم يسلما من طريقة التعامل الفوقي، والادعاء بأنه حامي حمى الحضارة الغربية والمضحي من أجل حماية الولايات المتحدة ومصالحها.

ماكرون الرئيس الفرنسي، وسانشيز رئيس وزراء إسبانيا، وميلوني رئيسة وزراء إيطاليا، وآخرون لم يسلموا من الإهانات، بسبب مواقف سياسية تنتقد السلوك الإسرائيلي، رغم أنها باستثناء المواقف العملية التي اتخذتها إسبانيا، لم تصل إلى حد اتخاذ عقوبات ضد إسرائيل، وإن حصل شيء من هذا فقد كان دون المستوى المطلوب قياساً بما تستحق.

من المؤكد أن إسرائيل ليست ولن تصبح دولة عظمى سواء على المستوى الدولي أو حتى الإقليمي، حتى يعطي زعماؤها لأنفسهم الحق في تأنيب وإهانة زعماء دول وقفت ولا تزال بالباع والذراع مع إسرائيل قبل تأسيسها وحتى اللحظة.

هذا هو جنون العظمة، الذي يطيح بوظيفة العقل، ويستبدلها بأوهام وخرافات، جرى اختبارها في ميادين الصراع، وتأكد الكل باستثناء نتنياهو ومواليه، أنها ليست أكثر من ترهات تدفع إسرائيل نحو الهاوية.

إذا كانت الزعامات الإسرائيلية تتعامل مع الحلفاء المقربين على هذا النحو من قلة الوفاء، فكيف يمكن لأحد أن يصدق مزاعمها بشأن السلام، وبشأن الالتزام بأي تعهدات أو اتفاقيات مع جيرانها العرب الذين يناصبونهم العداء؟

إسرائيل فشلت في استغلال فرصة وجود الرئيس ترامب الأكثر سخاءً ودعماً لها، فلقد فشلت في تحقيق أي هدف سياسي خلال حروبها التي لا تتوقف، حتى تكاد تخسر ما تدعي أنها إنجازات تكتيكية، علاوة على انهيار وفشل مخطط إسرائيل الكبرى، والفشل الذريع في الحرب على إيران، وإسقاط نظامها السياسي، والفشل في الفصل بين الجبهات، والفشل الذريع في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وفي إلحاق الهزيمة بحركة المقاومة الفلسطينية والفشل الاستخباري المتكرر الذي أطاح ببعض مسؤولي «الموساد»، ثمة فشل في تحقيق الوضع الداخلي.

انهارت السردية الإسرائيلية التي سادت لعقود، وانهارت معها صورة إسرائيل في المجتمعات الداعمة لها تاريخياً، حتى أنها تخسر المزيد من اليهود، وتحولت إلى دولة منبوذة ومعزولة دولياً على نطاق واسع.

إسرائيل تخسر في الولايات المتحدة بما في ذلك من قبل تيار «ماغا» والحزب الجمهوري، وبالتأكيد تخسر قطاعات واسعة ومؤثرة من الحزب الديمقراطي، وأصبح مال «إيباك» تهمة تكلف صاحبها أو متلقيها منصبه، وشمس «إيباك» تغرق شيئاً فشيئاً خلف الأفق.

تعيش إسرائيل جملة من التناقضات الحادة على خلفية السياسة التي قادها ويقودها نتنياهو وائتلافه اليميني الديني المتطرف، إذ ينعدم الشعور الفردي والجماعي بالأمن والاستقرار، وتتحول الأحلام إلى كوابيس لدى المواطن الإسرائيلي، وتحصد الهجرة المعاكسة آلاف الشباب والأكاديميين وأصحاب الخبرة والمستثمرين، وينقسم الإسرائيليون على موضوع تجنيد الحريديم، وترتفع معدلات الغلاء، فضلاً عن الأعباء الناجمة عن النزوح الداخلي، يختلف الإسرائيليون تقريباً على كل شيء ولكنهم يتفقون على ضرورة مواصلة الحرب، ورفض قيام أي كيان فلسطيني على الأراضي المحتلة العام 1967، ويتفقون أيضاً على مخططات تهجير الفلسطينيين، والتوسع الاستيطاني وبسط السيطرة على الضفة والقدس، وما احتلته إسرائيل مؤخراً من سورية ولبنان.

وكأنها دولة أنشئت كآلة حربية فقط، لا تعيش إلا على لغة الدم والقهر والتوسع، حتى أصبحت كل جولة من جولات العدوان سبباً في توسيع دائرة الكراهية من قبل المحيط، وتوسيع دائرة الأعداء، وبالتالي قطع الطريق تماماً أمام أي أفكار ومشاريع حقيقية بشأن السلام.

لا يجد نتنياهو الذي يخوض حمى الانتخابات ما يبيعه لمواطنيه سوى اجترار الإنجازات التي تتصل باغتيال قيادات إيران، و»حزب الله» و»حماس»، وادعاء تدمير المنشآت النووية الإيرانية، وأنه أبعد التهديدات الأمنية من غزة وجنوب لبنان، ومنح مستوطني الشمال الأمن.

إن احتلال أجزاء من لبنان وسورية وحتى غزة، يقرب التهديدات ولا يبعدها، إذ سيشكل هذا الاحتلال مستنقعاً للجيش الإسرائيلي.

يبدو أن نتنياهو لم يقرأ درسة جيداً، رغم أن تجربة لبنان لا تزال حية سواء قبل العام ٢٠٠٠ حين أمر باراك سحب جيشه، أو ٢٠٠٦ حين واجه الفشل والخيبة، وربما عليه أن يتوقع ألا يطول صبر السوريين أكثر حتى يدرك أن ما يعتبره إنجازات ليس أكثر من مصائد موت.