• إن يتسحاق رابين كان أول رئيس حكومة يدفع بخطة البناء في المنطقة E1 قدماً، وتعذّر تنفيذ الخطة في عهده، وفي عهد رؤساء الحكومات الذين خلفوه في المنصب، بسبب معارضة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي؛ لذلك، يجب الترحيب بالحكومة الحالية لبدئها بتنفيذ قرارها بشأن البناء في المنطقة E1 . إن طرح المناقصات لبناء أول 1234 وحدة سكنية يشكل إشارة واضحة للعالم أجمع إلى التزام إسرائيل الحفاظ على عاصمتها الأبدية، القدس، وإصرارها على الاحتفاظ بحدود أمنية في غور الأردن.
• إن التوقيت الحالي هو الأمثل، فإدارة ترامب امتنعت من انتقاد الخطوة (ويرجَّح أنها بُلِّغت بشأنها مسبقاً)؛ أمّا الأوروبيون، فإنهم نفّذوا فعلياً التهديد الذي اعتُبر الأهم من بين أدوات الردع المتاحة لديهم، عندما اعترفوا، في أغلبيتهم، بالدولة الفلسطينية، من دون الحصول على أيّ مقابل من الفلسطينيين. وبما أن الأمر لا يتعلق بفرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة، يبدو كأن ردات فعل الدول العربية، التي تربطها بإسرائيل معاهدات سلام، لن تصل إلى حدّ قطع العلاقات، أو اتخاذ إجراءات تصعيدية، فضلاً عن أن أزمة مضيق هرمز تُلقي بظلالها على سائر الأخبار الواردة من الشرق الأوسط.
• وتكتسب قدرة الحكومة على التحرك الفوري وإعمار المنطقة أهمية كبيرة، لأن هذه المنطقة تربط القدس بمعاليه أدوميم، التي أُنشئت في سبعينيات القرن الماضي في إطار "خطة ألون"، التي أولت غور الأردن أهمية كبيرة، باعتباره حدوداً أمنية، وكذلك الطريق المؤدية إليه. ولا تقتصر أهمية القدس على قيمتها التاريخية والدينية بالنسبة إلى الشعب اليهودي، بل لها أيضاً قيمة استراتيجية كبيرة.
• وتشكل مدينة معاليه أدوميم، الواقعة شرقي القدس، والتي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 40 ألف يهودي، نقطة محورية على الطريق المؤدية إلى غور الأردن، الذي يُستخدم كحدود أمنية في مواجهة أي هجوم من الشرق. إن إنشاء ممر آهل باليهود، بعرض 4-5 كلم، من القدس إلى معاليه أدوميم، يضمن الطريق الآمنة الوحيدة التي تستطيع إسرائيل من خلالها، عند الحاجة، نقل قوات عسكرية من السهل الساحلي، حيث تعيش أكثرية اليهود وتقع أغلبية المعسكرات العسكرية، عبر القدس، إلى غور الأردن. وتسيطر القدس ومعاليه أدوميم والمنطقة E1 على الطريق الرقم 1، وهي الطريق السريعة الوحيدة التي تربط السهل الساحلي للبحر المتوسط بغور الأردن، والتي يستطيع اليهود التحرك على امتدادها تقريباً من دون عوائق، عبر تجمعات سكانية عربية.
• وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للقدس، بالنسبة إلى إسرائيل، في موقعها؛ فالقدس تقع في تقاطُع مهم لمحاور تمتد من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب؛ كذلك يتيح موقعها للجيش التحرك جنوباً وشمالاً من دون الاضطرار إلى صعود منحدرات جبال الضفة الآهلة بالسكان العرب.
• أمّا معارضو الاستيطان اليهودي في المنطقة E1، فيدّعون الحرص على الاستمرارية الإقليمية للدولة الفلسطينية (من رام الله إلى بيت لحم) التي يُفترض إقامتها، وفق خطط المجتمع الدولي، كحلٍّ للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الممتد منذ عقود، غير أن هذا الادّعاء واهٍ، إذ لا توجد أي صعوبة في تنظيم حرية المرور بين شمال الضفة وجنوبها، عبر جسور، أو أنفاق. وفعلاً، تخطط إسرائيل لبناء الطريق الرقم 80 من الشمال إلى الجنوب، في موازاة البناء في المنطقة E1، بما يتيح للفلسطينيين التنقل من رام الله إلى بيت لحم؛ كذلك هناك خطط لإنشاء طريق بين العيزرية، شمالي الطريق الرقم 1، وأبو ديس، الواقعة في جنوبي تلك الطريق.
• وهناك هدف آخر لا يقلّ أهميةً، بالنسبة إلى المعارضة، لمنع إسرائيل من قطع التواصل بين الأحياء العربية في الجزء الشرقي من المدينة، وهو تحويل المدينة إلى عاصمة للدولة الفلسطينية. ويريد الفلسطينيون المنطقة E1 من أجل إقامة تواصُل جغرافي وديموغرافي بين بلداتهم الواقعة شرقي وشمالي القدس وبين الأحياء العربية في شرقي المدينة، بما يتيح لهم القدرة على إغلاق الطريق الرقم 1 وإحباط "خطة ألون". وبالنسبة إليهم، الأهم هو تحقيق الاتصال بالأحياء العربية داخل المدينة بهدف الدفع نحو تقسيم القدس في إطار أيّ تسوية مستقبلية، فضلاً عن أن ربط معاليه أدوميم بالقدس يحول دون تقسيم المدينة.
• وطبعاً، يجب رفض المطالبة الفلسطينية بالسيطرة على الجزء الشرقي من المدينة رفضاً قاطعاً، ولا سيما الحوض المقدس الذي يضم جبل الهيكل والحائط الغربي. ويعمل الفلسطينيون على صوغ سردية جديدة تنفي الصلة التاريخية لليهود بالقدس، ولا سيما وجود الهيكلين على جبل الهيكل.
• كان اليهود يشكلون أغلبية سكان المدينة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن القدس عاصمةً لأيّ كيان إسلامي؛ علاوةً على ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثرية عرب القدس يفضلون الوضع القائم، إذ لا يروق لهم أيّ حكم فلسطيني تابع للسلطة الفلسطينية، أو لحركة "حماس"، ولديهم أسباب وجيهة.
• صحيح أن إيهود باراك كسر المحظور الإسرائيلي المتعلق بالحفاظ على وحدة القدس في كامب ديفيد في سنة 2000، إلّا إن أغلبية يهودية كبيرة، تشكل نحو 70% (بحسب صيغة السؤال)، لا تزال تؤيد الحفاظ على وحدة القدس. وهناك نحو 80% من اليهود في إسرائيل يجيبون بالنفي لدى سؤالهم عمّا إذا كان من الممكن التخلّي عن جبل الهيكل في إطار اتفاق سلام.
• إن السيطرة الفلسطينية على المنطقة E1 ستؤدي إلى تقسيم المدينة، وعزل معاليه أدوميم، وتقويض مطالبة إسرائيل بالسيطرة على مناطق غور الأردن. والطريقة الوحيدة لمنع تنفيذ الخطة الفلسطينية هي بتوطين اليهود في هذه المنطقة. إن إبقاء المنطقة خالية من السكان يدل على تردّدٍ وضُعفٍ إسرائيليَّين، ويمكن أن يُترجَم باستمرار جهود الفلسطينيين بهدف السيطرة التدريجية على مناطق حيوية من المنطقةC ، وتشكل طريقة تعامُل إسرائيل مع قضية خان الأحمر دليلاً على ذلك.
• يرى البعض أن إسرائيل لم تعُد بحاجة إلى غور الأردن كحاجز في مواجهة الهجمات من الشرق، لأن اتفاقية السلام مع الأردن جعلت التهديد الخطِر الناجم عن قرب الجبهة الشرقية من المراكز السكانية الإسرائيلية، ومن بنيتها التحتية الاقتصادية، جزءاً من الماضي؛ كذلك يقللون من الأهمية الطبوغرافية للغور، مستندين إلى التكنولوجيا العسكرية التي تتيح توجيه ضربات دقيقة من مسافات بعيدة. ووفقاً لرؤيتهم، فإن القدرة على توجيه ضربات دفاعية من السهل الساحلي تلغي الحاجة إلى السيطرة على غور الأردن، غير أن مثل هذه الحجج يفتقر إلى رؤيا بعيدة المدى من الناحيتين السياسية والعسكرية؛ فهي تتجاهل الإمكانات الهائلة للتغيّر السياسي السريع في منطقتنا؛ إذ لم يعُد في الإمكان اليوم اعتبار سيناريوهات، مثل زعزعة الاستقرار في الأردن، أو السعودية، أو تحوُّل النظام في سورية نحو التطرف الإسلامي، مبالغاً فيها؛ فمن شأن مثل هذه التطورات أن تعيد إحياء التهديد البري الآتي من الجبهة الشرقية؛ كذلك يتجاهل هؤلاء الخبراء تاريخ التكنولوجيا العسكرية، الذي يدل على وجود تذبذب واضح، على مدى مئات السنين، بين تفوّق الهجوم وتفوّق الدفاع. والاعتقاد أن التوازن القائم حالياً - إذ تقلل التكنولوجيا المتاحة، موقتاً، من أهمية العامل الطبوغرافي - سيبقى من دون تغيير، ويمثل خطأً خطِراً في التفكير؛ فالحدود القابلة للدفاع عنها، والتي تعتمد على تفوُّق تكنولوجي عابر وظروف سياسية قابلة للتغيّر، تمثل خطأً استراتيجياً؛ لذلك، وبما أن إسرائيل تحتاج حاجة حيوية إلى حدود قابلة للدفاع على امتداد غور الأردن، فعليها تأمين الطريق التي تربط غور الأردن بالسهل الساحلي، وتمرّ عبر القدس الموحدة ومعاليه أدوميم.
• علاوةً على ذلك، يمكن تحسين مكانة إسرائيل الدولية وتخفيف المعارضة للبناء في المنطقة E1 ، في حال عُرض على العالم، في موازاة ذلك، تصوُّر يقوم على مبدأ التسوية الإقليمية لمستقبل بعيد، ربما يصبح فيه الفلسطينيون، يوماً ما، مستعدين ليكونوا جاراً جيداً.
• ولا يبدو كأن هناك حكمة استراتيجية كبيرة في الاستيطان في جميع أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة لأسبابٍ ديموغرافية؛ كذلك ينبغي لنا أن نتذكر أن القدس هي أهم تلّ في أرض إسرائيل، وأنها لا تضم أغلبية صهيونية. إن الاندفاع نحو التلال، التي ثمة شكوك في أهميتها الاستراتيجية، يمثل هدراً للطاقة الصهيونية والموارد التي يمكن استغلالها بصورة أكثر عقلانية. ومع ذلك، يمكن مواصلة سياسة الاستيطان الانتقائي التي تركّز على المناطق الواقعة في صميم الإجماع الإسرائيلي، بما في ذلك القدس ومحيطها، وكذلك معاليه أدوميم وغور الأردن، من دون أن تترتب على ذلك تدخلات خارجية كثيرة للغاية.
• وفي موازاة تطبيق مثل هذه السياسة، يجب أيضاً إخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية الواقعة خارج المناطق التي تحظى بإجماع إسرائيلي، ولا سيما في المنطقتين A وB، وتعكس هذه السياسة تفضيلات أغلبية الإسرائيليين. وطبعاً، يجب وقف أعمال العنف التي يرتكبها المشاغبون اليهود في الضفة الغربية بحزم، لأنها تشكل وصمةً أخلاقية على إسرائيل وتتسبب بأضرار جسيمة لها في الخارج.
• إن المنطقة E1 حيوية لمستقبل القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل، وأهميتها حاسمة فيما يتعلق بقدرة إسرائيل على الحفاظ على حدود قابلة للدفاع في الشرق. ويؤمَل أن تواصل الحكومة المقبلة تنفيذ أعمال البناء في المنطقةE1 ؛ فبناء أحياء يهودية في هذه المنطقة يمثل ضرورة استراتيجية وسياسية.