جنون ترمب يصل إلى القمر.. هل يحلم بضمّ السماء إلى خارطة الهيمنة؟
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 16:31)

يبدو أن حدود الأرض لم تعد تكفي طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فبعد أن دخل في معارك مع الجغرافيا والأسماء والخرائط، قرر أن يرفع سقف الطموح إلى السماء، ويعلن أن «القمر لنا»، ناشرًا صورة للقمر إلى جانب العلم الأمريكي عبر منصته «تروث سوشيال».

القمر لنا!

هكذا ببساطة، وكأن الولايات المتحدة أنهت ترتيب شؤونها على الأرض، ولم يبق أمامها سوى تسجيل القمر في دائرة الأراضي والمساحة، ووضع ختم أمريكي على سطحه!

قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد استعراض ترامب المعتاد، أو واحدة من موجات الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي التي اجتاحت منشوراته الأخيرة، لكن خلف الصورة الساخرة سؤالًا أكثر جدية: هل تتحول المنافسة على استكشاف الفضاء إلى سباق جديد للهيمنة والسيطرة؟

ترامب لم يخفِ أصلًا لغته التنافسية تجاه الفضاء. ففي حديثه عن مهمة «أرتميس 2» ربط عودة الولايات المتحدة إلى القمر بالتفوق الأمريكي اقتصاديًا وعسكريًا، مستخدمًا لغة «الهيمنة» حتى خارج حدود الأرض.

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة للسخرية.

ماذا لو كان للقمر سكان؟

ماذا لو كان هناك شعب قمري له أرض وبيوت وأطفال وذاكرة وتاريخ؟ هل كان ترامب سيصل إليهم ليقول: «آسف، لقد وصل العلم الأمريكي أولًا»؟

وهل سنسمع بعد ذلك عن «أمن القمر»؟ وعن «المصالح الأمريكية في القمر»؟ وعن ضرورة حماية القواعد الأمريكية هناك؟ وهل سنرى يومًا خريطة جديدة للشرق الأوسط... لكن هذه المرة على سطح القمر؟

أخشى، من باب السخرية السوداء، أن نكتشف ذات صباح أن هناك «هنودًا حمر» على القمر، وأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه في الفضاء؛ شعب أصلي يُطلب منه أن يتنازل عن أرضه لأن قوة كبرى قررت أن تضع علمها فوقها!

هذه ليست مقارنة تاريخية حرفية، لكنها تحذير من عقلية خطيرة: عقلية ترى كل مساحة غير مستثمرة باعتبارها فرصة للنفوذ، وكل موقع استراتيجي باعتباره مشروعًا للسيطرة.

القمر ليس ملكًا لأمريكا، ولا لروسيا، ولا للصين، ولا لأي قوة عظمى. والقانون الدولي للفضاء لا يمنح دولة حق امتلاك الأجرام السماوية؛ بل إن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تقوم على مبدأ واضح يمنع الدول من إعلان السيادة على القمر والأجرام السماوية.

القمر، إذن، ليس عقارًا للبيع، ولا أرضًا تنتظر أول من يرفع عليها علمه.

والأجمل في القمر أنه ظل آلاف السنين فوق رؤوس البشر جميعًا، لا يسألهم عن جوازات سفرهم، ولا عن ألوان أعلامهم، ولا عن قوتهم العسكرية.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في أن يحلم الإنسان بالوصول إلى القمر. استكشاف الفضاء إنجاز عظيم للبشرية. المشكلة تبدأ عندما يتحول العلم إلى سباق نفوذ، والاستكشاف إلى مشروع سيطرة، والفضاء إلى ميدان جديد لصراع القوى الكبرى.

فإذا كان الإنسان لم يتعلم بعد كيف يتعايش مع أخيه الإنسان على الأرض، فكيف سيقنعنا أنه مستعد لإدارة القمر بعدل؟

يا سيد ترامب، قبل أن تقول إن القمر لنا، انظر إلى الأرض.

هنا شعوب تبحث عن بيت آمن، وأطفال يبحثون عن لقمة خبز، ومدن تبحث عن السلام، وأوطان ما زالت تدفع ثمن أطماع الكبار.

لا تستعجل امتلاك القمر... فالأرض نفسها لم تتعافَ بعد من جنون الذين أرادوا امتلاكها.

وربما لا يحتاج القمر إلى علم أمريكي، ولا إلى علم روسي، ولا إلى علم صيني.

يحتاج فقط إلى ألا يتكرر فوقه تاريخ الأرض.

فهل ما نراه هو مجرد جنون ترامب، أم أن طموح الهيمنة بدأ يبحث عن سماء جديدة بعدما ضاقت به الأرض؟