بانتظار وصول لجنة التكنوقراط: لماذا كل هذا التأخر والغياب؟!
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 17:36)

من داخل خيام النزوح ومراكز الإيواء، لا يتوقف الناس عن طرح سؤال بات يتكرر كل يوم: أين لجنة التكنوقراط التي قيل إنها ستتولى إدارة قطاع غزة، وتبدأ معالجة الأوضاع الإنسانية والخدماتية، وتفتح الطريق أمام الإغاثة والإعمار وعودة الحياة إلى ما تبقى من المدن والمخيمات؟

لم يعد السؤال متعلقًا بتفاصيل سياسية أو خلافات إدارية بعيدة عن هموم الناس، بل أصبح سؤالًا يوميًا يمسّ الخبز والماء والدواء والخيمة والمدرسة والمستشفى، ويعبّر عن حالة متنامية من الارتباك والإحباط. فالنازح الذي أنهكته سنوات الحرب، وفقد بيته ومصدر رزقه، لا يريد أن يسمع مزيدًا من الوعود المؤجلة، بل ينتظر جهة فلسطينية مسؤولة يراها أمامه، ويتواصل معها، ويعرف إلى أين يتجه إذا احتاج إلى علاج أو مأوى أو مساعدة أو وثيقة رسمية.

لقد رحّب الكل الفلسطيني تقريبًا بتشكيل اللجنة، ورأى فيها فرصة لتجاوز حالة الفراغ والاضطراب، وأبدت القوى والفصائل والمؤسسات المجتمعية استعدادها للتعامل الإيجابي معها، وتسهيل انتقال المسؤوليات إليها، ومساندتها في أداء مهامها. كما جرى تقديمها بوصفها لجنة فلسطينية انتقالية غير حزبية، تتولى إدارة الشؤون اليومية، والإشراف على الخدمات والإغاثة، والمساهمة في إطلاق عملية إعادة الإعمار.

وكانت الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية (صمود) من الجهات التي باركت تشكيل اللجنة منذ الإعلان عنها، ورحبت بقدومها إلى قطاع غزة، وأبدت استعدادها للتعاون معها ومساندة جهودها الوطنية والإنسانية. لكن هذا القدوم طال انتظاره، فيما تتفاقم معاناة الناس وتتسع دائرة الإحباط في الشارع. ولذلك، فإننا في الهيئة الوطنية «صمود» نضم أصواتنا إلى أصوات أهلنا في خيام النزوح ومراكز الإيواء، ونشاركهم التساؤل المشروع عن أسباب هذا الغياب والتأخير.

لقد أُعلن عن تشكيل اللجنة في يناير/كانون الثاني 2026 برئاسة الدكتور علي شعث، لكن أعضاءها ظلوا خارج القطاع، على الرغم من أن الحاجة إليهم تزداد يومًا بعد يوم. وتشير تقارير إلى أن العراقيل الإسرائيلية ومنع أعضاء اللجنة من دخول غزة يمثلان أحد الأسباب الأساسية لتعطيل عملها، بينما ما تزال ملفات الأمن والسلاح وترتيبات المرحلة الانتقالية موضع تجاذب سياسي وإقليمي ودولي. وقد بقيت اللجنة تمارس نشاطها من القاهرة من دون أن تتمكن من مباشرة مسؤولياتها الفعلية على الأرض.

ومع ذلك، فإن معرفة بعض أسباب التعطيل لا تكفي. فالناس يريدون بيانًا واضحًا وصريحًا: من يمنع دخول اللجنة؟ ومن يتحمل مسؤولية التأجيل المتكرر؟ وما الجدول الزمني المتوقع لوصولها؟ وهل تمتلك اللجنة بالفعل الصلاحيات والموارد اللازمة، أم أنها ستدخل غزة مثقلة بالقيود والاشتراطات، عاجزة عن تلبية أبسط احتياجات السكان؟

قد تكون اللجنة، في حسابات السياسة المعقدة، مجرد هيئة انتقالية محدودة الصلاحيات، وقد لا تمتلك عصًا سحرية تعيد بناء غزة بين ليلة وضحاها. وربما تكون، في نظر بعض المتشككين، قشة يتعلق بها الغريق. لكنها بالنسبة إلى كثير من النازحين في الخيام أكبر من ذلك بكثير؛ إنها أكثر من «شعرة معاوية»، والملجأ الأخير لتعزيز صمود سكان المخيمات ومراكز الإيواء، وإحياء الأمل في وجود إدارة فلسطينية قادرة على ترتيب شؤونهم بعد سنوات من الفوضى والدمار.

النازحون لا ينتظرون حكومة بروتوكولات ومواكب رسمية، بل لجنة تنزل إلى الميدان، وتعاين الخيام، وتحصي الأسر المنكوبة، وتحدد أولويات الإيواء، وتعيد تشغيل المؤسسات والمرافق، وتضع خطة واضحة لإزالة الركام وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. إنهم يريدون إدارة شفافة تخبرهم بما تستطيع فعله وما تعجز عنه، وتحفظ كرامتهم، وتمنع الفوضى والمحسوبية، وتضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها.

ومن حق الشارع الفلسطيني أن يسأل أعضاء اللجنة أنفسهم: لماذا لا تخاطبون الناس بصورة منتظمة؟ ولماذا لا تُنشر خطة تفصيلية تحدد أولويات الأيام المئة الأولى؟ أين تصوركم لإدارة البلديات والمستشفيات والمدارس والمعابر؟ وكيف ستتعاملون مع الموظفين القائمين في المؤسسات؟ وما الضمانات التي تحول دون تحويل اللجنة إلى عنوان شكلي يغطي استمرار الحصار وتعطيل الإعمار؟

كما أن الوسطاء والجهات الدولية الراعية مطالبون بتقديم إجابات لا تقل وضوحًا. فإذا كانت اللجنة جزءًا من تفاهمات وقف الحرب وترتيبات المرحلة الانتقالية، فإن تعطيل وصولها يمسّ صدقية هذه التفاهمات كلها. ولا يجوز قبول المماطلة الإسرائيلية أو السماح بتحويل القضايا الإنسانية إلى أوراق ابتزاز سياسي وأمني. فاللجنة لا تستطيع ممارسة مهامها من خارج غزة، ولا يمكن بناء الثقة بها من خلال البيانات والاجتماعات البعيدة عن معاناة الناس.

وفي المقابل، تتحمل القوى الفلسطينية مسؤولية وطنية في إزالة أية عقبات داخلية، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية. المطلوب هو انتقال منظم للمسؤوليات، يحفظ المؤسسات ويمنع الفراغ والفوضى، ويضمن استمرار الخدمات، ويفتح المجال أمام الكفاءات الفلسطينية للعمل بعيدًا عن الإقصاء والانتقام والتنافس على النفوذ.

إن استمرار غياب اللجنة لا يترك فراغًا إداريًا فحسب، بل يبدد ما تبقى من ثقة الناس بالوعود السياسية. وكل يوم تأخير يعني مزيدًا من المعاناة في الخيام، وتعطيلًا للإعمار، وضياعًا لفرص إنقاذ المرضى والطلاب والأسر التي فقدت كل شيء.

ومن هنا، فإننا نناشد المجتمع الدولي، والدول الوسيطة والضامنة، والأمم المتحدة، والمؤسسات الإنسانية والحقوقية، ممارسة ضغط جاد وفاعل من أجل التسريع بدخول اللجنة إلى قطاع غزة، وتمكينها من تولي مسؤولياتها الوطنية والإنسانية، وتوفير الصلاحيات والموارد والضمانات اللازمة لنجاحها. كما نطالب بالكشف بوضوح عن الجهات التي تعرقل وصولها، وعدم السماح بأن يبقى مصير أكثر من مليوني فلسطيني رهينة للمماطلة والتجاذبات السياسية.

لقد انتظر أهل غزة طويلًا، ولم يعد مقبولًا أن يبقوا أسرى العناوين الغامضة والمواعيد المفتوحة. المطلوب اليوم إعلان الحقيقة كاملة، ووضع جدول زمني ملزم لدخول اللجنة، وتمكينها من مباشرة عملها من داخل القطاع، وبين الناس الذين شُكلت من أجل خدمتهم.

فالشارع الغزّي لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يبحث عن إجابة صادقة تفسر هذا الغياب الطويل، وعن جهة فلسطينية مسؤولة تبدأ العمل من بين الركام والخيام. وسيظل السؤال يتردد على ألسنة النازحين حتى تأتي الإجابة بالفعل لا بالبيانات: أين لجنة التكنوقراط، ولماذا كل هذا الغياب؟!