حادثة فلاي دبي: حين تكشف الثغرة الأمنية حدود القوة الإسرائيلية
نشر بتاريخ: 2026/10/04 (آخر تحديث: 2026/10/04 الساعة: 13:54)

لم تكشف حادثة طائرة "فلاي دبي" التي كانت في طريقها من دبي إلى دولة الاحتلال فقط عن محاولة خطيرة للسيطرة على الطائرة وإسقاطها، وإنما فتحت أيضاً أسئلة أوسع حول منظومة الأمن الإسرائيلية، وحدود قدرتها على معرفة المخاطر التي تصل إلى أجوائها، وطريقة تعاملها مع الإخفاقات عندما تقع.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام دولية وإسرائيلية، فإن الطيار المساعد العُماني، هُمام الهُمامي، كان قد أوقف سابقاً عن الطيران في عُمان بعد أن اعتُبر مصدر خطر أمني، وقيل إنه عُثر بحوزته على مواد متطرفة. ومع ذلك، انتقل لاحقاً للعمل لدى شركات طيران أخرى، وانتهى به الأمر طياراً مساعداً على رحلة "فلاي دبي" المتجهة إلى دولة الاحتلال.

هذه المعطيات تبرر طرح أسئلة حول منظومة الفحص الأمني في عُمان والإمارات وشركات الطيران، لكن ما كشفته صحيفة "هآرتس" يجعل السؤال المتعلق بإسرائيل أكثر تحديداً.

فبحسب الصحيفة، تلقت إسرائيل مسبقاً قائمة بأسماء أفراد طاقم وركاب رحلة "فلاي دبي". ووفق مصادر أمنية نقلت عنها "هآرتس"، فإن الجهات في المؤسسة الأمنية المسؤولة عن مراقبة وفحص أطقم الرحلات الخارجية القادمة إلى إسرائيل، والتي كان يفترض أن تفحص القائمة، هي قسم الأمن في وزارة المواصلات وجهاز الموساد.

وبحسب المصادر نفسها، يفترض بالجهتين أن تتلقيا قوائم أطقم الرحلات القادمة من الخارج إلى دولة الاحتلال، وأن تبلغا عن وجود شبهات بشأن أي من أفرادها. وهنا يتغير السؤال: القضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل تمتلك المعلومات، وإنما بكيفية التعامل مع المعلومات التي كانت موجودة لديها بالفعل.

إذا كانت أسماء أفراد الطاقم معروفة مسبقاً، وكانت هناك جهات محددة يفترض أن تفحص هذه القوائم، فمن تلقى القائمة؟ ومن فحصها؟ وما المعلومات التي كانت متاحة عن الطيار؟ وهل جرى التعرف إلى خلفيته قبل السماح له بالعمل على الرحلة؟

واللافت أن دولة الاحتلال أعلنت بعد الحادثة أنها ستشدد إجراءات الفحص الأمني للطيارين القادمين إليها، وأنها ستعرف هويات الطيارين الذين يقودون رحلات إليها وتجري لهم فحصاً أمنياً. وهذا يطرح سؤالاً آخر: إذا كانت هذه الآلية موجودة أصلاً، فما الذي كان ناقصاً فيها فالمشكلة قد لا تكون في غياب المعلومات، وإنما في كيفية جمعها وفحصها وتفسيرها وتحويلها إلى إجراء أمني.

وفي الوقت نفسه، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تطرح أسئلة حول مسؤولية رئيس الشاباك دافيد زيني. فقد أفادت تقارير بأن زيني حذّر منذ أشهر من أن الغطاء الأمني للرحلات القادمة من الإمارات غير كافٍ، وإن كانت هذه التحذيرات تتعلق أساساً بالرحلات الإسرائيلية، فيما لا تقع "فلاي دبي" ضمن المسؤولية المباشرة للشاباك. ومع ذلك، فإن هذه المعطيات تضيف سؤالاً إلى التحقيق: إذا كانت هناك مخاوف أمنية معروفة بشأن الرحلات القادمة من الإمارات، فلماذا لم تُترجم إلى إجراءات تمنع الثغرة التي ظهرت الآن؟

من هنا تبدو محاولة اختزال القضية في فشل إماراتي أو قصور لدى شركات الطيران غير كافية. فالأمن لا يبدأ عند حدود دولة الاحتلال، لكنه أيضاً لا ينتهي عند حدود الدول الأخرى. وإذا كانت دولة الاحتلال قد تلقت بالفعل أسماء أفراد الطاقم قبل الرحلة، فإن مسؤولية منظومتها الأمنية في فحص هذه المعلومات تصبح جزءاً أساسياً من القصة. وربما تكشف الحادثة عن مشكلة أعمق في الخطاب الأمني الإسرائيلي: الثقة المفرطة بقدرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية.

بعد 7 أكتوبر، أصبحت مسألة الإخفاق الاستخباري والأمني أكثر حساسية داخل دولة الاحتلال، فيما استمرت المؤسسة السياسية والأمنية في تقديم نفسها باعتبارها صاحبة قدرة استثنائية على جمع المعلومات واكتشاف المخاطر ومنع الهجمات.

لكن حادثة "فلاي دبي" تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما تكون المعلومات موجودة بالفعل، لكنها لا تؤدي إلى الإجراء الأمني المطلوب؟ هنا تظهر حدود القدرة الأمنية. فلا يكفي أن تكون المعلومة موجودة لدى إحدى الجهات، وإنما يجب أن تصل إلى الجهة الصحيحة، وأن تُفحص في الوقت المناسب، وأن تُربط بالمعلومات الأخرى، وأن تؤدي إلى قرار مناسب.

وفي الجانب السياسي، جاءت الحادثة في توقيت حساس للغاية، قبل الانتخابات الإسرائيلية بأسابيع قليلة. وقبل الحادثة بساعات، ظهر رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في قاعدة تل نوف وتحدث عن مخاطر ومحاولات محتملة من جانب أعداء إسرائيل للتأثير في الانتخابات. وبعد حادثة الطائرة، أصبح هذا التصريح جزءاً من الرواية السياسية حول ما جرى.

لكن يجب التمييز بين تحذير أمني عام وبين معلومات استخبارية محددة عن محاولة استهداف الطائرة. فليس كل تحذير عام يمكن تحويله بعد وقوع حادث إلى دليل على معرفة مسبقة به. والنجاح في إنقاذ الطائرة لا يعني بالضرورة أن منظومة الأمن نجحت. فقد يكون الركاب والطاقم أنقذوا الموقف بعدما فشلت طبقات سابقة من إجراءات الوقاية في منع وصول الخطر إلى الطائرة.

الحادثة، في النهاية، ليست اختباراً لقدرة دولة الاحتلال على إنقاذ طائرة بعد وقوع الخطر فحسب، وإنما اختبار لقدرتها على منع الخطر قبل وقوعه.

ومن هذه الزاوية، قد يكون السؤال الأهم الذي تفرضه حادثة "فلاي دبي" على دولة الاحتلال ليس: كيف أخفقت الإمارات؟ وإنما: إذا كانت دولة الاحتلال قد تلقت مسبقاً قائمة بأسماء الطاقم والركاب، وكانت هناك جهات أمنية مسؤولة عن فحص هذه القوائم، فكيف وصل الخطر إلى قمرة القيادة؟

إن المبالغة في الثقة بقدرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، أو التعامل معها باعتبارها قادرة على معرفة كل شيء، قد يكون جزءاً من المشكلة نفسها. فبعد 7 أكتوبر، ربما يكون الدرس الأهم هو أن القوة الأمنية لا تعني القدرة على منع كل خطر، وأن الاعتراف بالثغرات والتحقيق فيها قد يكون أكثر أهمية من تحويل كل عملية إحباط إلى دليل جديد على قوة المنظومة.