الشرعية لا تُصان بالتصريحات ولا تُستعاد بالمناكفات
نشر بتاريخ: 2026/10/12 (آخر تحديث: 2026/10/12 الساعة: 15:39)

ضجيجٌ وضوضاء، وأبوابٌ ونوافذ تُغلَق في وجه شعبنا الفلسطيني، كأننا نعيش في بئرٍ عميق لا يسمع فيه أحدٌ صراخنا: «بدنا انتخابات!».

حبالُ المشانق نُصبت على مقصلة الحق، وكأنها تستعد لاغتيال صوت المواطن والوطن، فيما يقف شعبنا على رصيف الإغاثة الإنسانية والسياسية، يندب غياب الحياة الديمقراطية التي حُرم منها على مدار عقدين من الزمن.

وفي مشهدٍ يلخّص حجم المأساة، يقف شابٌّ عشريني يتساءل: كيف يبدو صندوق الانتخابات؟ أهو خشبي أم زجاجي؟ وكيف تبدو ورقة الاقتراع؟ ومن هم الناخبون والمرشحون؟ أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تكشف عمق الفجوة بين جيلٍ نشأ في زمن الانقسام، وواقعٍ سياسي حُرم فيه من ممارسة حقه في الاختيار، حتى باتت الانتخابات بالنسبة إليه حكايةً يسمع عنها أكثر مما يعيشها.

في المقابل، تتواصل المناكفات والتصريحات، وتتضارب الأصوات في الفضاء الأزرق، من السلطة الوطنية وحكومة غزة، إلى فتح وشرعيتها وتيارها الإصلاحي، مرورًا بحماس والجهاد الإسلامي وسائر القوى والأحزاب الفلسطينية. الجميع يتحدث عن الشرعية والوطن، لكن المواطن ما زال ينتظر إجابة واضحة عن سؤال مصيري: متى يذهب الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع؟

تدور الفصائل في ساقية العمل السياسي، كأنها تدور في المكان ذاته؛ لا ترى أبعد من أقدامها، ولا تُصغي إلا إلى أصواتها، فيما تتراجع الأولويات الوطنية أمام حسابات المصالح وموازين النفوذ. وهكذا يتحول الخلاف السياسي من وسيلة لإدارة الاختلاف إلى جدار جديد يفصل المواطن عن حقه في تقرير مصيره.

فهل تأجيل الانتخابات مطلبٌ وطني، أم أنه انعكاس لحسابات فصائلية؟ وإذا كان المواطن يريد الانتخابات ويتمسك بها بوصفها حقًا في الاختيار ومدخلًا للتغيير وتجديد الشرعيات، فهل يجوز أن نضرب بإرادته عرض الحائط، وأن ندفن حلمه بالتغيير تحت ركام التصريحات والمناكفات؟

إن الانتخابات ليست منّةً من فصيل، ولا هديةً من سلطة، ولا ساحةً لتصفية الحسابات؛ إنها حق المواطن في اختيار ممثليه ومحاسبتهم، ومحطة أساسية لاستعادة الثقة وتجديد الحياة السياسية الفلسطينية. فالشرعية لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة البيانات، بل بمدى احترام إرادة الناس والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

لكن إجراء الانتخابات لا يكتمل بمجرد الدعوة إليها؛ بل يتطلب توافقًا وطنيًا على قواعد واضحة، وضمانات للنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، واحترامًا لنتائج الصندوق، وقبولًا بإرادة الناخب مهما كانت مخرجاتها. فالديمقراطية ليست وسيلة للوصول إلى السلطة فحسب، بل ثقافة سياسية تقوم على المسؤولية والمساءلة والتداول السلمي للسلطة، وصون حق المواطن في الاختيار بعيدًا عن الإقصاء والاحتكار.

ولا ينفصل احترام إرادة المواطن الفلسطيني عن احترام الوطن ومصالحه العليا، كما لا يمكن تجاهل أهمية العلاقة مع الأوطان المجاورة التي تدعو إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية وترى فيها خطوة ضرورية لتعزيز الحياة الديمقراطية والاستقرار. إن احترام هذه الدعوات لا يعني التنازل عن القرار الوطني المستقل، بل يؤكد أن الفلسطينيين قادرون على إدارة شؤونهم بإرادتهم الحرة، واستعادة ثقة شعبهم ومحيطهم العربي، من خلال مؤسسات شرعية تستمد قوتها من أصوات المواطنين.

إن شعبنا لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى قرار وطني مسؤول يعيد الاعتبار لصوته، ويضع حدًا للانقسام، ويفتح الطريق أمام انتخابات حرة ونزيهة، تُصان فيها إرادة الناخب، ويُحترم فيها حق المواطن في الاختيار.

فمن يملك الشجاعة لرسم الطريق إلى الانتخابات دون تراجع؟ ومن يجرؤ على إعادة الأمل إلى شعب أنهكته سنوات الانتظار؟

آن الأوان أن تتوقف المناكفات، وأن تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية؛ فالوطن لا يُبنى بالشعارات، والشرعية لا تُصان بالتصريحات، والأمل لا يعود إلا حين يصبح صوت المواطن هو الحكم والفيصل.

نريد انتخاباتٍ تعيد إلى الشعب حقَّه في الاختيار، وإلى الوطن وحدته، وإلى الحياة السياسية روحها الديمقراطية؛ انتخاباتٍ تُحترم فيها إرادة الناخب، وتُصان فيها كرامة المواطن، وتُفتح بها أبواب الأمل أمام الأجيال الفلسطينية، لنعيش بأمنٍ وسلام، في وطنٍ يحتكم إلى إرادة شعبه، لا إلى حسابات الفصائل ومصالحها.