قطار الوطن لا ينتظر المرتجفين… فهل يتحرك النظام السياسي الفلسطيني؟
نشر بتاريخ: 2026/10/26 (آخر تحديث: 2026/10/26 الساعة: 20:30)

حين تعجز السياسة عن إنتاج الحلول، تتحول الخلافات إلى أزمات، وتصبح التنظيمات التي نشأت لخدمة الشعوب جزءًا من مأزقها. وفي فلسطين، حيث تتراكم الخسائر وتتسع جراح الانقسام، لم يعد السؤال كيف نُرمّم النظام السياسي فحسب، بل كيف نكسر دائرة الجمود، ونفتح أفقًا جديدًا يمنح الشعب حقه في اختيار قيادته وصناعة مستقبله. فالانتخابات ليست منّة من أحد، بل استحقاق وطني وحق ديمقراطي لا يجوز أن يبقى رهينة الحسابات الفصائلية.

لقد أثبتت التجربة أن التاريخ النضالي وحده لا يمنح التنظيمات حقًا دائمًا في احتكار التمثيل. فالفصائل أدوات للمشروع الوطني وليست بديلًا عن الشعب، وشرعيتها تتجدد بقدرتها على الاستجابة لتطلعاته. وحين تتقدم الحسابات التنظيمية على المصلحة الوطنية، يصبح الإصلاح ضرورة لا تحتمل التأجيل، وتغدو صناديق الاقتراع الطريق الديمقراطي لتجديد الشرعيات وتصحيح المسار.

وفي هذا السياق، تستوقفني عبارة الإعلامي الدكتور ناصر اللحام: «الشعب الفلسطيني هو الذي يستحق فرصة أخرى، وليس التنظيمات». إنها دعوة لإعادة الاعتبار للمواطن، لا بالشعارات والوعود، بل بتمكينه من اختيار ممثليه بحرية، وتحديد من يحكمه ومن يراقب أداءه، عبر انتخابات حرة ونزيهة تعيد بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته.

إن المطلوب اليوم إعلان إرادة سياسية واضحة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، وفق جدول زمني معلن وملزم، وضمانات قانونية ووطنية تكفل نزاهتها، وتضمن حرية الدعاية والمنافسة وتكافؤ الفرص، واحترام النتائج والاحتكام إلى صناديق الاقتراع. فلا يجوز أن تُفتح أبواب الانتخابات حين تخدم حسابات طرف، وتُغلق حين تصبح نتائجها غير مضمونة. كما لا يكفي الاتفاق على مبدأ الانتخابات ما لم يتحول إلى خطوات عملية تنهي التأجيل المفتوح وتعيد القرار إلى صاحبه الشرعي: الشعب الفلسطيني.

وأمام دماء الشهداء، وآلام الجرحى، ومعاناة الأسرى، يفرض السؤال نفسه: ألا تستحق هذه التضحيات أن تتنازل الفصائل عن بعض حساباتها من أجل إنقاذ المشروع الوطني؟ لقد استنزف الانقسام طاقات الفلسطينيين وعطّل فرص توحيد القرار، فيما بات إنهاؤه ضرورة لحماية القضية واستعادة وحدة المؤسسات والتمثيل السياسي.

إن تجديد النظام لا يعني إلغاء الفصائل أو إنكار تاريخها، بل وضعها أمام استحقاق ديمقراطي يتيح للشعب تقييم تجاربها واختيار البدائل. كما أن فتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المستقلة والقوى الوطنية الجديدة يجب أن يكون حقًا فعليًا، لا فقرة تجميلية في بيانات المصالحة. فالتغيير يبدأ حين تتساوى القوى أمام القانون، ويصبح تداول المسؤولية قاعدة تحكم الحياة السياسية.

وهنا تبرز مسؤولية المثقفين الفلسطينيين في تحويل النقد إلى مشروع وطني، ومساءلة الواقع، والدفاع عن حق المواطنين في التغيير. وتقدم تجارب الشعوب دروسًا جديرة بالتأمل؛ ففي جنوب أفريقيا، أسهمت المفاوضات والتنازلات المتبادلة والانتخابات الديمقراطية عام 1994 في إنهاء نظام الفصل العنصري. وفي بولندا، مهّد الحوار السياسي عام 1989 الطريق لتحول ديمقراطي. ورغم اختلاف الظروف، تؤكد التجربتان أن تجاوز الأزمات يحتاج إلى إرادة سياسية تضع مستقبل الشعب فوق حسابات السلطة والتنظيم.

فلسطين لا تحتمل انتظارًا جديدًا، ولا يجوز أن تبقى تضحياتها أسيرة خلافات لا تنتهي. الماضي عبرة، والحاضر والمستقبل ملك للشعب الفلسطيني، والانتخابات هي الطريق إلى تجديد الشرعية، واستعادة الثقة، وإعادة بناء نظام سياسي يستمد قوته من إرادة الناس.

فهل نواصل الانتظار على رصيف الموت، نحصي ضربات المطرقة الإسرائيلية وننام على سندان الهوان، أم نمتلك شجاعة فتح نافذة جديدة للحياة السياسية، ونحتكم إلى الشعب بدل إبقائه خارج دائرة القرار؟

لقد أتعبنا الانتظار؛ فالوقت يمضي، وقطار العمر لا ينتظر المرتجفين. والشعب الذي دفع كل هذه الأثمان لا يستحق وعودًا جديدة، بل يستحق فرصة حقيقية يختار فيها ممثليه، ويحاسب من يتولى المسؤولية، ويصنع مستقبلًا يكون فيه صاحب القرار، ومصدر الشرعية، وبوصلة الوطن.