الشيخ زايد والقضية الفلسطينية.. إرث من الدعم والمواقف العربية الراسخة
نشر بتاريخ: 2026/11/02 (آخر تحديث: 2026/11/02 الساعة: 17:09)

تحل في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الذكرى الثانية والعشرون لوفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي ارتبط اسمه بمحطات بارزة في مسيرة الدعم العربي للقضية الفلسطينية، سياسياً وإنسانياً واقتصادياً، وترك إرثاً من المبادرات والمواقف التي امتدت من مساندة صمود الشعب الفلسطيني إلى المساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحروب والاعتداءات الإسرائيلية.

ورحل الشيخ زايد في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، بعد مسيرة حكم امتدت لعقود، جعل خلالها القضية الفلسطينية حاضرة في مواقف الإمارات وتحركاتها العربية والدولية، انطلاقاً من إيمانه بالتضامن العربي وضرورة مساندة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.

حرب أكتوبر.. النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي

شكّلت حرب أكتوبر عام 1973 إحدى أبرز المحطات التي عكست موقف الشيخ زايد من الصراع العربي الإسرائيلي، إذ ساند مصر وسوريا في الحرب الرامية إلى تحرير الأراضي العربية المحتلة، ودعم استخدام النفط أداة ضغط على الدول التي ساندت إسرائيل.

وشاركت الإمارات في الحظر النفطي العربي، ووقف الشيخ زايد إلى جانب قرار وقف إمدادات النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل، في سياق الضغط عليها لتغيير مواقفها من الحرب.

وارتبط موقفه خلال تلك المرحلة بمقولته الشهيرة: «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، وهي عبارة اختزلت رؤيته لضرورة توظيف الإمكانات الاقتصادية العربية في دعم القضايا المصيرية للأمة.

مخيم جنين.. إعادة بناء ما دمرته قوات الاحتلال

لم يقتصر دعم الشيخ زايد للقضية الفلسطينية على المواقف السياسية والبيانات الدبلوماسية، بل امتد إلى التدخل المباشر لمساعدة الفلسطينيين على تجاوز آثار الاعتداءات الإسرائيلية.

وكان مخيم جنين للاجئين في الضفة من أبرز الشواهد على ذلك، بعدما تعرض لدمار واسع خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في أبريل/نيسان 2002، التي أدت إلى تدمير منازل وتشريد مئات العائلات الفلسطينية.

ووجّه الشيخ زايد الهلال الأحمر الإماراتي للمساهمة في إعادة بناء المخيم، وتشييد مئات المنازل للأسر الفلسطينية التي فقدت مساكنها، كما خصصت الإمارات دعماً مالياً لإعادة الإعمار.

وفي شهادة مهمة على هذا الدور، أصدر المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، بيتر هانسن، بياناً في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2004، عقب وفاة الشيخ زايد، أكد فيه أن إرثه سيظل حاضراً بين اللاجئين الفلسطينيين، مشيراً إلى أن تبرع الهلال الأحمر الإماراتي بقيمة 27 مليون دولار مكّن الوكالة من إعادة بناء مركز مخيم جنين، وإقامة مساكن جديدة لأكثر من 400 عائلة فقدت منازلها.

وشكلت هذه الشهادة الأممية توثيقاً لأحد أبرز أوجه الدعم الإنساني الذي ارتبط باسم الشيخ زايد في فلسطين.

القدس وغزة.. مشروعات تحمل اسم زايد

امتدت مساهمات الشيخ زايد إلى القدس وقطاع غزة، من خلال مشروعات إسكانية وتنموية استهدفت توفير مساكن للأسر الفلسطينية وتحسين ظروفها المعيشية.

ومن أبرز هذه المشروعات ضاحية الشيخ زايد في القدس، ومدينة الشيخ زايد في قطاع غزة، إلى جانب مشروعات إعادة الإعمار والإسكان التي استفادت منها عائلات فلسطينية تضررت من الاعتداءات الإسرائيلية.

كما برزت مشروعات سكنية في قطاع غزة، بينها الحي الإماراتي في خان يونس، ضمن جهود توفير مساكن للأسر التي فقدت منازلها، وتقديم مساعدات تتجاوز الإغاثة المؤقتة إلى إنشاء مرافق تساعد الفلسطينيين على استعادة جانب من حياتهم الطبيعية.

وعكست هذه المشروعات توجهاً نحو دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، من خلال توفير مقومات الاستقرار والحياة الكريمة، في ظل ظروف الاحتلال وتداعيات الاعتداءات العسكرية.

دعم الأطفال واللاجئين والمؤسسات الفلسطينية

أولى الشيخ زايد اهتماماً خاصاً بالأطفال الفلسطينيين والأسر التي فقدت معيلها، ولم تقتصر مساعداته على إعادة الإعمار، بل شملت قطاعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.

ففي يونيو/حزيران 2002، نقلت وكالة أنباء الإمارات عن الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان أن الشيخ زايد وجّه الهلال الأحمر الإماراتي إلى كفالة خمسة آلاف طفل فلسطيني، وإعادة بناء مئات المنازل في مخيم جنين، إلى جانب ترميم كنيسة المهد ومسجد عمر بن الخطاب.

كما شملت المساعدات الإماراتية خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2000 حتى يونيو/حزيران 2002 مساعدات غذائية وطبية، ودعماً لعائلات الشهداء، وإصلاح المؤسسات الصحية والتعليمية والدينية، في إطار تحرك إنساني واسع لمساندة الفلسطينيين.

وكشفت هذه المبادرات عن اتساع نطاق الدعم الإنساني الذي تبناه الشيخ زايد، والذي استهدف الإنسان الفلسطيني في مختلف جوانب حياته، من المسكن والتعليم إلى الصحة والرعاية الاجتماعية.

صبرا وشاتيلا.. تحرك دبلوماسي لمواجهة المجازر

على المستوى السياسي والدبلوماسي، لم يتوقف الشيخ زايد عن إثارة القضية الفلسطينية في المحافل العربية والدولية، وكان من المواقف البارزة في هذا السياق تحركه عقب مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982.

ففي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وجّه رسائل إلى رؤساء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، تناولت المجازر التي ارتكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين في المخيمين، وطالب بتحرك دولي سريع لوضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني.

وكان هذا التحرك امتداداً لموقف سياسي يقوم على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة أمام المجتمع الدولي، والدفع باتجاه تحمّل الأطراف الدولية مسؤولياتها تجاه حماية الفلسطينيين وحقوقهم.

«الفارس الشهم 3».. امتداد لمسيرة العطاء الإماراتي تجاه فلسطين

وفي امتداد للمواقف التاريخية التي ارتبطت باسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، عبر عملية «الفارس الشهم 3»، التي انطلقت في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، لدعم سكان قطاع غزة والتخفيف من تداعيات الحرب والأزمة الإنسانية.

وتتنوع جهود العملية بين المساعدات الغذائية والطبية والإيوائية، ودعم المستشفيات والمراكز الصحية، وتشغيل المخابز والمطابخ الشعبية، وتوفير المياه والاحتياجات الأساسية للأسر النازحة، إلى جانب المبادرات المخصصة للأطفال والمرضى وذوي الإعاقة.

ووفقاً لبيانات وكالة أنباء الإمارات، تجاوز إجمالي المساعدات التي دخلت قطاع غزة ضمن العملية، حتى الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، 136 ألفاً و891 طناً، نقلتها 14 ألفاً و442 شاحنة، في إطار جسر إغاثي متواصل يجري تجهيز قوافله عبر المركز اللوجستي الإماراتي في مدينة العريش المصرية، تمهيداً لإدخالها إلى القطاع عبر المعابر المتاحة.

كما شهدت العملية إطلاق مبادرات نوعية في المجال الصحي، شملت تشغيل المستشفى الإماراتي الميداني والمراكز الطبية، وتقديم الخدمات العلاجية للمرضى والجرحى، إلى جانب دعم المخابز التي توفر الخبز للأسر الفلسطينية، ومشروعات توفير المياه الصالحة للشرب، فضلاً عن برامج التأهيل ومساعدة مبتوري الأطراف على استعادة قدرتهم على الحركة.

وفي الثامن من يونيو/حزيران 2026، أعلن الهلال الأحمر الإماراتي تخصيص مساعدات إنسانية جديدة بقيمة 36.7 مليون درهم لدعم قطاع غزة، تضمنت أكثر من 160 ألف سلة غذائية و40 ألف طرد صحي، لتلبية احتياجات الأسر المتضررة وتعزيز الاستجابة الإنسانية.

كما واصلت الإمارات إرسال القوافل الإغاثية إلى القطاع، إذ دخلت خمس قوافل في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، ضمت 55 شاحنة محملة بنحو 617 طناً من المساعدات الغذائية ومواد الإيواء.

وتعكس هذه الجهود استمرار الحضور الإنساني الإماراتي في فلسطين، من خلال الجمع بين الإغاثة العاجلة والمشروعات الصحية والغذائية والإيوائية، بما يسهم في التخفيف من معاناة الفلسطينيين ومساندتهم في مواجهة الظروف الإنسانية الصعبة.

وبين ما قدمه الشيخ زايد للفلسطينيين من دعم سياسي وإنساني ومشروعات لإعادة الإعمار، وما تقدمه الإمارات اليوم عبر عملية «الفارس الشهم 3»، تتواصل محطات الدعم الإماراتي للشعب الفلسطيني، لتبقى ذكرى المؤسس مناسبة لاستحضار تاريخ من المساعدات والمواقف، والتأكيد على أهمية استمرار التضامن مع الفلسطينيين وحقهم في الحياة والحرية وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.

رحيل زايد.. وبقاء الشواهد في الذاكرة الفلسطينية

في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2004، رحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عن عمر ناهز 86 عاماً، تاركاً خلفه تجربة سياسية وإنسانية ارتبطت بتأسيس دولة الإمارات وبناء مؤسساتها، إلى جانب مواقف ومشروعات امتد أثرها إلى عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها فلسطين.

وكان لافتاً أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» أصدرت بيان تعزية بعد يومين من وفاته، أشادت فيه بمساهماته في إعادة بناء مخيم جنين، وأكدت أن المنازل التي أعيد تشييدها ستظل شاهداً على عطائه تجاه اللاجئين الفلسطينيين.

ولم يكن هذا التقدير مجرد تعبير عن الحزن، بل استند إلى مشروع ملموس استفادت منه مئات العائلات التي فقدت منازلها في المخيم.

فلسطين اليوم.. استحضار المواقف في مواجهة التهجير والدمار

ومع حلول الذكرى الثانية والعشرين لرحيل الشيخ زايد، تعود مواقفه تجاه القضية الفلسطينية إلى الواجهة، في وقت يواجه فيه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة تحديات إنسانية وسياسية متفاقمة، بفعل الحرب والدمار والنزوح ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني.

وتكتسب تجربة الشيخ زايد أهمية خاصة عند استحضار طبيعة الدعم الذي قدمه للفلسطينيين، والذي جمع بين الموقف السياسي والتحرك الدبلوماسي والمساعدات الإنسانية ومشروعات إعادة الإعمار والإسكان.

ففي الوقت الذي كانت فيه مدن ومخيمات فلسطينية تتعرض للتدمير، حملت مشروعات إعادة البناء في جنين وغزة والقدس أسماء ارتبطت بمؤسس الإمارات، لتصبح شواهد على مرحلة من الدعم العربي للقضية الفلسطينية.

ولا تقتصر دلالة هذه الذكرى على استعادة محطات من الماضي، بل تمتد إلى أهمية استمرار مساندة الفلسطينيين، وحماية حقوقهم الوطنية والإنسانية، ودعم حقهم في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.

وبعد اثنين وعشرين عاماً على رحيله، تبقى سيرة الشيخ زايد حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، من خلال ما تركه من مواقف سياسية ومبادرات إنسانية ومشروعات عمرانية حملت اسمه، ووصل أثرها إلى حياة آلاف الفلسطينيين، لتظل تجربته إحدى المحطات البارزة في تاريخ الدعم الإماراتي للشعب الفلسطيني.