من واشنطن إلى تل أبيب.. الصندوق يعاقب، وفي فلسطين يهرب السياسيون من حكم الشعب
نشر بتاريخ: 2026/11/04 (آخر تحديث: 2026/11/04 الساعة: 18:06)

صندوق الاقتراع ليس مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل هو الحكم الذي يمنح الشرعية أو يسحبها، والأداة التي يستطيع من خلالها المواطن محاسبة من يحكمه على سياساته وقراراته، فالحكومات قد تمتلك النفوذ وأدوات التأثير، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار ثقة الناخبين بها إلى الأبد.

وقد كشفت الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة وإسرائيل عن أهمية هذه الحقيقة، ففي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026، خسر الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي الكونغرس لصالح الديمقراطيين، في نتيجة عكست تراجعاً في الدعم الشعبي لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، وسط استياء مرتبط بالأوضاع الاقتصادية وتكاليف المعيشة والحرب مع إيران، وبذلك أصبح ترامب أمام واقع سياسي جديد، يفرض عليه مراجعة حساباته وسياساته خلال العامين المتبقيين من ولايته.

وفي إسرائيل، لم يتمكن معسكر بنيامين نتنياهو من الحصول على الأغلبية المطلوبة في انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر 2026، إذ حصل على 53 مقعداً من أصل 120، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة و19 مقعداً للقوائم العربية، وهي نتيجة وضعت المعسكر الحاكم أمام تحدي تشكيل حكومة جديدة دون امتلاك الأغلبية البرلمانية اللازمة.

والقاسم المشترك بين التجربتين أن الناخب امتلك القدرة على إعادة رسم الخريطة السياسية، وفرض واقع جديد على القوى التي كانت تتولى الحكم، فحين لا تعود السياسات مقنعة للشارع، يصبح صندوق الاقتراع الوسيلة التي يعبّر من خلالها المواطن عن رفضه ويطالب بالتغيير.

لكن المفارقة المؤلمة تظهر عند الانتقال إلى الحالة الفلسطينية، ففي الوقت الذي يحتكم فيه السياسيون في واشنطن وتل أبيب إلى الناخب، لا يزال الفلسطينيون ينتظرون فرصة اختيار قيادتهم وتجديد مؤسساتهم عبر انتخابات عامة منتظمة.

فآخر انتخابات تشريعية فلسطينية جرت عام 2006، وآخر انتخابات رئاسية عام 2005. وبعد تأجيل انتخابات عام 2021، كان مقرراً إجراء انتخابات تشريعية في الثامن والعشرين من نوفمبر 2026، قبل أن يصدر مرسوم جديد في أكتوبر الماضي بتأجيلها وتحديد الحادي عشر من سبتمبر 2027 موعداً لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.

ولا شك أن الاحتلال الإسرائيلي، والقيود المفروضة على القدس، والظروف الأمنية والإنسانية في قطاع غزة، والانقسام الفلسطيني، تمثل عقبات حقيقية أمام إجراء الانتخابات، لكن هذه العقبات تستدعي البحث عن حلول وضمانات لتجاوزها، لا أن يتحول تأجيل الانتخابات إلى حالة مستمرة تحرم الشعب الفلسطيني من حقه في اختيار ممثليه.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تخشى القوى السياسية الفلسطينية نتائج الاحتكام إلى الشعب؟ وهل تدرك أن الانتخابات قد تعيد تشكيل الخريطة السياسية، وتسحب من بعض القوى امتيازات اعتادت عليها طوال سنوات؟

إن استمرار تأجيل الانتخابات، رغم اختلاف المبررات والحسابات، يترك انطباعاً بأن أطرافاً في المشهد السياسي لا ترغب في مواجهة اختبار الصندوق، خشية ما قد تسفر عنه نتائجه، وكأن هناك اتفاقاً غير معلن، وإن اختلفت دوافع أصحابه، على إبقاء الوضع السياسي القائم وتجنب المخاطرة بتغيير موازين القوى.

إن الشعب الفلسطيني لا يطلب من قواه السياسية أكثر من حقه الطبيعي في اختيار من يمثله ومحاسبته، فالشرعية لا ينبغي أن تكون امتيازاً دائماً، ولا يجوز أن تتحول الظروف الصعبة إلى مبرر لتعطيل الحياة الديمقراطية إلى أجل غير معلوم.

فالصندوق هو الحكم والجلاد؛ يعاقب من أخفق، ويمنح الفرصة لمن يثق به الشعب.

ومن واشنطن إلى تل أبيب، أثبت الناخب أن صوته قادر على تغيير موازين السلطة. أما في فلسطين، فما زال السؤال معلقاً: إذا كان السياسيون يثقون بشعوبهم وبخياراتهم، فلماذا يخشون الاحتكام إلى صندوق الاقتراع؟