عام مقبل من الحروب والصراعات والمتغيّرات
عام مقبل من الحروب والصراعات والمتغيّرات
مع تغيّر أرقام السنة، فإن أوضاع الدول والمجتمعات والقيم تتغيّر هي الأخرى، بما يجعل الدعاء المعتاد بعام جديد أفضل، ينطوي على بُعد ذاتي سواء بالنسبة للظالم أو المظلوم.
ببساطة، تتغيّر الأرقام، ولكن مضامينها لا تتغيّر دون أن تخلف الكثير من المآسي للبعض، والآمال والتفاؤل بالنسبة لبعض آخر. وفي مختلف الأحوال، فإنّ هذا التغيير البسيط يكشف عن تغيّرات هائلة لا يمكن محاكمتها باللحظة أو السنة، وإنّما بما يصاحب عملية التغيّر من تغيّرات جيوسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وبيئية، وقيمية على نحو باهظ الثمن، وعميق الأثر.
العام الجديد، يشكل امتداداً للعام والأعوام التي سبقت، وهو يحمل سمات التغيير المتسارع لأحوال العالم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونحو الانقلاب على تلك السمات ورموزها القيمية والمؤسساتية، استناداً إلى تغيّر موازين القوة واستحقاقاتها.
العالم مضطرب، ولا مصداقية لمن يدّعي أن السلام والاستقرار يتحققان في أي مكان، وما يبدو على أنه اتفاق سلام هنا وهناك ليس إلا استراحة مقاتل، أو إخمادا مؤقتا للنيران بسبب بقاء أسبابها.
الحرب في أوكرانيا مستمرة، وبشراسة، حتى إن نجح رئيس أميركا دونالد ترامب في الضغط على أوكرانيا للتوقيع على اتفاقية سلام، فإن الحرب والصراع، سيستمران بسبب غياب العدالة والرضا عن مضامين ونتائج مثل هذا الاتفاق.
قد تهدأ الأوضاع في أوكرانيا، ولكن هل سيؤدي ذلك إلى هدوء الأوضاع والمخاوف في أوروبا، على سبيل المثال، وهل ستهدأ مخاوف دول وسط آسيا، وربما لا تهدأ مخاوف أميركا نفسها. ومؤشرات الحرب واضحة في شرق القارة الآسيوية حيث يحتدم الصراع حول تايوان وحقوق الصين في استعادة السيادة عليها، مقابل الإستراتيجيات والمصالح الأميركية وحلفاء أميركا الذين يحرّضون ويدعمون تايوان، نحو المواجهة.
في تلك المنطقة، توجد قوى نووية، وأخرى تتمتع بحماية أميركية فيما اليابان تتمرد برضا بل بطلب أميركي على شروط استسلامها بعد خسارتها الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت عملية تسلّح وتخصيص موازنات ضخمة للدفاع عن نفسها أمام التهديدات المحيطة بها، أميركا وضعت السيطرة على أميركا اللاتينية على رأس أولوياتها، باعتبارها حديقتها الخلفية التي لا تسمح للآخرين بالعبث فيها، والمشاركة في النفوذ عليها وعلى ثرواتها.
الأسباب والذرائع، التي تطلقها أميركا لشنّ حروب السيطرة، لا تخفي الأهداف الحقيقية، وهي الاستحواذ على ثروات الدول كفنزويلا التي تملك أكبر احتياطي نفطي.
المسألة ليست مسألة مخدرات، وتهريب، وهجرة غير شرعية فتلك أسباب يمكن معالجتها بالحوار، أو الضغط المحتمل، ولكن الأمر إذ يتجاوز ذلك فإنه لا سبيل لتحقيق الأهداف سوى الحرب وقد بدأت.
الحرب على فنزويلا، مجرد بداية ستمتد إلى دول أخرى في مقدمتها كولومبيا، والمكسيك، ولكنها قد تتخذ طابعا مختلفا حيث يمكن العمل على خطّ الانقلابات العسكرية، أو التدخّل في العمليات الانتخابية لصالح الموالين لها.
ترامب لا يزال يضع عينيه على جزيرة غرينلاند الدنماركية حيث عيّن له مبعوثاً رئاسياً خاصاً بمضمون حاكم للجزيرة، ما قد يشعل صراعاً مع دول في حلف «الناتو» الذي تتجه أميركا لتفكيكه أو تقليص مساهماتها في ميزانياته إلى ما هو دون الحد الأدنى.
عودة ترامب لاتخاذ إجراء ذات مغزى بشأن غرينلاند، قد تعني أنه لم يتخلّ عمّا كان أعلنه بشأن كندا وضرورة ضمّها لبلاده.
ما يشهده الشرق الأوسط، ينطوي على توقّعات خطيرة لا تتوقّف عند ما هو معروف من الحروب والصراعات، فالحرب مستمرة على فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزّة، حتى وإن بدا أنّ حرب الإبادة قد توقّفت.
هدف التهجير، والسيطرة، ومنع قيام دولة فلسطينية، وإنهاء القضية برمّتها، لا يزال هدفاً مباشراً للأطماع الصهيونية، وبدعم مكشوف ومباشر من قبل أميركا. خطّة ترامب لن تنجح في تحقيق السلام في فلسطين طالما أن الشعب الفلسطيني موجود على أرضه وطالما أن دولة الاحتلال تسعى لإلغائه، وشطبه عن الخارطة.
الأطماع الصهيونية لا تزال ماثلة في لبنان وسورية، والحرب لا تزال قائمة ومستمرّة، وقد تنفجر في وقت قريب إما في لبنان أو إيران، والإشارات واضحة من خلال المعلن من نتائج لقاء نتنياهو - ترامب.
ثمّة حرب قادمة في كلا الحالتين، إما بسبب إصرار إيران على متابعة برنامجها النووي وإما بسبب استمرارها في تطوير قدراتها الصاروخية. هكذا أعلن ترامب ولكن ليس قبل انتظار فرصة تصعيد التناقضات الداخلية في إيران بما قد يؤدي إلى إسقاط النظام، أو إضعافه إلى حدّ الاستسلام للشروط الأميركية.
الحرب مستمرّة في السودان، تحصد أرواح مئات الآلاف دون توقّف، وهي بفعل فاعل خارجي، عربي إسرائيلي لتقسيم السودان، في إطار إستراتيجية تهديد الأمن القومي لمصر والسعودية وأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
والحرب بدأت تطلّ برأسها في اليمن لتحقيق الأغراض ذاتها، وبالأدوات ذاتها العاملة في السودان، لتقسيمه، وإدخال جزء منه في إستراتيجية تهديد الأمن القومي للسعودية والبحر الأحمر، حرب المياه قد بدأت لخنق مصر والسودان عَبر «سد النهضة» الإثيوبي المدعوم، أيضاً، من دولة الاحتلال وبعض الدول العربية.
جبهة «أرض الصومال»، التي اعترفت بها كجمهورية حكومة الاحتلال تتجه لأن تصبح جبهة قتال وصراع ساخنة، وهي، أيضاً، تندرج في سياق إستراتيجيات السيطرة، وتهديد الأمن القومي العربي.
أين توقّفت الحروب والصراعات، هل في ميانمار، أم في ليبيا، أم في العراق، أم في نيجيريا، أم في دول ساحل غرب إفريقيا؟ إذا كانت هذه المناطق تشهد حروباً وصراعات دامية وصعبة، فإن ثمّة حربا أخرى لا تقلّ خطورة، هي حرب «الإسلاموفوبيا»، و»اللاسامية»، التي تشبه إلى حد بعيد الحرب ضد الإرهاب، التي خاضتها إدارة رئيس أميركا الأسبق جورج بوش الابن، وخاض بذريعتها حروبا عدوانية ضد أفغانستان والعراق، وسط كل هذا الزحام من الحروب الجارية والمنتظرة، فإن القضية الفلسطينية لا تزال عنوان نهوض على المستوى العالمي رغم كل ما يبدو وما تطلّب ذلك من ثمن.
العربية السعودية إزاء ما يجري في اليمن، تقدّم إشارة على صحوة سعودية، ولكن هذه المروحة الواسعة من الحروب في الشرق الأوسط تستدعي صحوة عربية جامعة، وأيضاً تستدعي صحوة فلسطينية بين القوى المتصارعة لم تحصل حتى اليوم رغم عظم التضحيات.