الاغتراب السياسي: حين تنفصل الاحزاب والسلطة عن المجتمع
الاغتراب السياسي: حين تنفصل الاحزاب والسلطة عن المجتمع
الكوفية الاغتراب السياسي ليس حالة نفسية فحسب، بل هو نتيجة تاريخية واجتماعية تنشأ عندما يشعر الإنسان بأن المؤسسات التي يفترض أن تمثله لم تعد تعبر عن مصالحه، وأن السلطة التي تتحدث باسمه أصبحت منفصلة عن واقعه وآلامه. وعندما يحدث ذلك، يفقد المواطن ثقته بالسياسة، ويتحول من فاعل في المجال العام إلى مجرد متفرج على صراعات لا تمثله.
إن السلطة السياسية، وخصوصًا الحزبية منها، تستمد مشروعيتها من قدرتها على التعبير عن مصالح المجتمع، ولا سيما الطبقات الكادحة والفئات المهمشة والمتضررة. غير أن هذه الشرعية تتآكل عندما تصبح الأحزاب أدوات لحماية امتيازات نخبة سياسية أو اقتصادية، أو عندما تنشغل بتثبيت نفوذها أكثر من انشغالها بتحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني. ففي هذه الحالة، لا يعود الحزب إطاراَ للنضال الشعبي، بل يتحول إلى مؤسسة مغلقة تدافع عن مصالحها الخاصة.
ومن أخطر مظاهر هذا التحول استخدام الشعارات الكبرى بوصفها وسيلة لإضفاء الشرعية على الممارسة السياسية. فقد تُرفع شعارات التحرير، أو المقاومة، أو النصر، أو الجهاد، بينما تكشف الممارسة اليومية عن تناقض واضح بين الخطاب والواقع. وعندما تتسع الهوة بين الشعار والفعل، يصبح الخطاب السياسي فاقداَ لمصداقيته، ويتحول إلى أداة لإنتاج الوهم بدلاَ من صناعة التغيير.
إن الاغتراب السياسي لا ينشأ فقط من القمع أو الاحتلال أو الأزمات الاقتصادية، بل أيضاَ من عجز الأحزاب والحركات السياسية عن تجديد نفسها، وعن بناء علاقة ديمقراطية حقيقية مع المجتمع. فحين يغيب النقد الذاتي، وتُهمَّش المشاركة الشعبية، وتُقدَّم الولاءات الحزبية على المصلحة الوطنية، تتراجع الثقة بالعمل السياسي، ويشعر المواطن بأن صوته لم يعد مؤثراَ في صناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن جانباَ مهماَ من حالة الاغتراب التي يعيشها مجتمعنا الفلسطيني اليوم يرتبط بأداء قوى سياسية يرى كثيرون أنها لم تنجح في تمثيل المصالح الوطنية والاجتماعية على نحو فعّال، وأنها أسهمت، بدرجات متفاوتة، في تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
إن تجاوز حالة الاغتراب لا يتحقق بتبديل الشعارات أو إعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وإنما بإعادة بناء السياسة على أسس المشاركة الشعبية، والعدالة الاجتماعية، والشفافية، والمساءلة، والاستقلال الوطني. فالحزب الذي لا يستمد شرعيته من الناس، ولا يخضع للمحاسبة، يفقد مع الزمن قدرته على تمثيلهم، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
فالسياسة، في جوهرها، ليست فن إدارة السلطة، بل فن تمثيل المجتمع وخدمة مصالحه. وعندما تنفصل السلطة عن المجتمع، يتحول الاغتراب من ظاهرة عابرة إلى بنية راسخة، وتصبح أزمة الثقة إحدى أخطر الأزمات التي تواجه أي مشروع وطني.