«متلازمة اللثة المتسربة»... صحة الفم من صحة الجسم
«متلازمة اللثة المتسربة»... صحة الفم من صحة الجسم
الكوفية متابعات: في الطبّ تُقاس قيمة المصطلح بقدرته على كشف ما كان مستتراً خلف الاعتياد. وحين يأتي توصيف أدقّ لحالة ما، فإن الصورة تنتظم ويتسع المعنى.
حين تلد التسمية فهماً جديداً
من هنا أطرح، للمرة الأولى في وسائل الإعلام العربية، مصطلح متلازمة اللثة المتسربة، بوصفه توصيفاً طبياً جامعاً يساعد على فهم علاقةٍ لطالما أحسّ بها الأطباء والمرضى، لكنهم لم يمتلكوها في عبارة واحدة: كيف يمكن لالتهابٍ مزمنٍ في اللثة أن يتحوّل إلى «ضجيج التهابي» ينعكس على القلب والإصابة بالسكري، والأوعية، والدماغ والمناعة؟
يأتي هذا الطرح بالتوازي مع عملي على كتاب علمي موسّع حول الموضوع، يهدف إلى نقل الفكرة من ملاحظة متفرّقة إلى نموذج متكامل: من اللثة إلى بقية أجهزة الجسم.
«متلازمة اللثة المتسربة»
وإننا لا نتحدث هنا عن التهابٍ موضعي عابر في اللثة. فالالتهاب التقليدي يُقاس عادةً بعلامات ظاهرة مثل النزف، والانتفاخ، وتكوّن الجيوب، وفقدان العظم. أمّا «المتلازمة» فتصف حالةً أوسع، يتكرر فيها اجتماع أكثر من عنصر في الوقت نفسه، من أبرزها:
- ضعف قدرة اللثة على أداء دورها كحاجز واقٍ.
- تسربٌ مستمر لمواد التهابية ومكوّنات جرثومية إلى مجرى الدم.
- تأثيرات لا تبقى محصورة في الفم، بل تمتد إلى أجهزة الجسم المختلفة عبر التهابٍ منخفض الدرجة لكنه طويل الأمد.
والعنصر الحاسم هنا هو الاستمرارية: لسنا أمام نوبة مؤقتة، بل أمام حالة مزمنة، تُبقي باباً مفتوحاً لما لا ينبغي أن يعبر.
اللثة حاجز مناعي نشط
اللثة، شأنها شأن بطانة الأمعاء والجلد، تمثّل خط تماس بين داخل الجسم والعالم الخارجي. غير أنها تمتاز بخصائص تجعل دورها المناعي بالغ الحساسية، إذ إنها:
- غنية بالأوعية الدموية وقريبة من مجرى الدم.
- تتعرض يومياً لكميات هائلة من الجراثيم ونواتجها.
- تتجدد بسرعة، ما يجعلها شديدة التأثر بأي خلل مزمن في التغذية، أو ضبط السكر، أو التدخين، أو كفاءة الجهاز المناعي.
عندما تتكوّن الجيوب اللثوية الملتهبة، تتحول - عملياً - إلى مناطق دقيقة ذات أسطح متقرّحة، تسمح بمرور إشارات التهابية بصورة متكررة إلى الدورة الدموية. هنا يتشكّل ما يمكن تسميته «الالتهاب الصامت»: حالة لا تُعلن عن نفسها بألمٍ واضح دائماً، لكنها تُرهق الجسم تدريجياً، وتترك آثارها التراكمية على المدى البعيد.
من الفم إلى القلب والسكري والدماغ
لسنا بحاجة إلى القول إن اللثة «تُسبب» كل هذه الأمراض، فالعلم أكثر دقة من ذلك. يكفي أن نفهم أنها ترفع القابلية وتُغذّي مسارات مرضية معروفة في الطب الحديث، حين يتحول الالتهاب الموضعي إلى عبء مزمن على الجسم كله.
• السكري واضطراب تنظيم السكر: الالتهاب المستمر يضعف استجابة الخلايا للإنسولين، ويزيد مقاومة الإنسولين، ما يجعل السيطرة على مستويات السكر أكثر صعوبة حتى مع العلاج.
• القلب والأوعية الدموية: ارتفاع مؤشرات الالتهاب يؤثر في بطانة الأوعية، ويقلل مرونتها الطبيعية، ويرفع قابلية التجلط والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل مركزية في أمراض القلب.
• الدماغ والجهاز العصبي: الالتهاب المزمن قد يخلّ بتوازن الحاجز الدموي الدماغي، ويزيد ما يُعرف بـ«الضباب الذهني»، وقد يترك آثاراً سلبية تدريجية في وظائف الدماغ لدى بعض الفئات الأكثر عُرضة للتأثر.
بهذا المعنى، لا تكون اللثة مركز الحدث، بل تكون «عضواً التهابياً صامتاً» يعمل في الخلفية، بينما تتجلى النتائج السريرية في أعضاء أخرى بعيدة عن الفم.
الدليل العلمي: من الورقة البحثية إلى الخطاب الصحي
للتأصيل العلمي، من المهم الإشارة إلى أن فكرة «تسرّب اللثة» طُرحت سابقاً في الأدبيات البحثية. فقد نُشرت دراسات حول هذا المفهوم في مجلة «Cells» عام 2022 بقيادة الباحث الكوري دو - يونغ بارك وفريقه، تناولت العلاقة بين ضعف حاجز اللثة والالتهاب المزمن وتأثيره في أجهزة الجسم المختلفة.
كما وردت مراجعة علمية مختصرة في مجلة «تقارير حالات صحة الفم Oral Health Case» عام 2022 للباحثة داهيي لي، ناقشت الفكرة من منظور سريري مرتبط بأمراض اللثة.
وفي سياق أقرب إلى التثقيف الصحي، تناولت الباحثة كاس نيلسون - دولي المفهوم عام 2023 عبر منصة اتجاهات فحوص اللعاب (Trends in Salivary Testing) التابعة لمختبرات أورال دي إن إيه (Oral DNA Labs)، مسلّطة الضوء على الصلة بين صحة اللثة ومخاطر صحية تمتد إلى أجهزة الجسم الأخرى.
وعليه، فإن الأسبقية العلمية في تداول الفكرة موجودة، غير أن ما يُطرح هنا هو توحيد المصطلح عربياً، وتقديمه إعلامياً بوصفه «متلازمة» ذات تعريف واضح وحدود سريرية قابلة للنقاش والقياس.
كيف نُقارب التشخيص دون تهويل؟
أهم ما يميّز متلازمة اللثة المتسربة أنها لا تُفهم من علامة واحدة، بل تتكشّف حين نقرأ الصورة كاملة. لذلك لا يُنصح بالتعامل معها كأنها تَشخيص قائم على عرض منفرد، بل كأنها حصيلة تقاطع ثلاثة مسارات أساسية:
- في الفم: نزف متكرر عند التفريش، وجيوب لثوية، ورائحة فم مزمنة، وانحسار في اللثة، وحركة في الأسنان، أو تاريخ طويل لالتهاب اللثة.
- عند الالتهاب العام: مؤشرات التهاب مرتفعة حسب تقييم الطبيب، أو تكرار حالات التهاب منخفضة الدرجة دون سبب واضح.
- في السياق السريري العام: صعوبة ضبط السكر، وإرهاق مزمن غير مفسَّر، وبدايات اضطراب وعائي، أو شكاوى ذهنية خفيفة لدى فئات أكثر عُرضة للتأثر.
ومع تطور اختبارات اللعاب ودراسة الميكروبيوم الفموي، قد تصبح هذه المتلازمة مستقبلاً قابلة للرصد المبكر قبل أن تتحول إلى مشكلة يصعب تجاهلها. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي، لا لابتداع المرض، بل لقراءة الأنماط الخفية التي تربط الفم ببقية أجهزة الجسم.