نشر بتاريخ: 2026/01/11 ( آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 16:48 )
د. دلال صائب عريقات

التسلسل الزمني ومتابعة لقضية الإبادة في ICJ

نشر بتاريخ: 2026/01/11 (آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 16:48)

الكوفية شكّلت الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية لحظة قانونية فارقة، ليس فقط بسبب خطورة الاتهام، بل لأنها أعادت تفعيل واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية حساسية: اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. غير أن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في صدور القرار وحده، بل في ما تلاه ونتساءل بعد عامين: هل تُركت أوامر المحكمة دون متابعة، أم تحوّلت إلى مسار مساءلة مستمر؟ ماذا حصل وكيف نبني عليه وعلى من تقع المسؤولية؟

المرحلة الأولى: في 29 كانون الأول/ديسمبر 2023، قدّمت جنوب أفريقيا دعواها رسميًا أمام المحكمة، مستندة إلى المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية، التي تتيح لأي دولة طرف مقاضاة دولة أخرى بشأن خرق الاتفاقية، حتى إن لم تكن متضررة مباشرة. بهذا الإجراء، انتقلت القضية الفلسطينية لأول مرة منذ عقود إلى قلب الولاية القضائية الدولية.

المرحلة الثانية: عقدت المحكمة جلسات استماع علنية يومي 11 و12 كانون الثاني/يناير 2024 للنظر في طلب التدابير المؤقتة. في هذه المرحلة، لم تُطالب المحكمة بإثبات وقوع الجريمة، بل بتقدير وجود خطر معقول يهدد الحقوق المحمية بموجب الاتفاقية، وخطورة استمرار الأفعال موضوع الدعوى. هذه النقطة أُسيء فهمها عمدًا في الخطاب السياسي والإعلامي، إذ جرى تصويرها وكأنها “مرحلة شكلية”، بينما هي في الحقيقة أساس التدخل القضائي العاجل.

المرحلة الثالثة: في 26 كانون الثاني/يناير 2024، أصدرت المحكمة أمرها بالتدابير المؤقتة، وقررت أن الحقوق التي تطالب جنوب أفريقيا بحمايتها “ممكنة التحقق ومعرّضة لخطر حقيقي”. وألزمت المحكمة إسرائيل بـ: اتخاذ جميع التدابير لمنع الأفعال التي قد تشكّل إبادة جماعية، وضمان دخول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، ومنع التحريض العلني والمباشر على الإبادة، وتقديم تقرير رسمي خلال شهر حول إجراءات الامتثال. قانونيًا، هذا القرار ملزم، ولا يخضع للتفسير السياسي أو الانتقائي.

المرحلة الرابعة: منذ شباط/فبراير 2024، بدأت تتراكم المؤشرات على عدم الامتثال الاسرائيلي من خلال القيود على المساعدات، استمرار توسّع العمليات العسكرية، وتصاعد خطاب التحريض دون محاسبة. أمام هذا الواقع، انضمت العديد من الدول للقضية وعادت جنوب أفريقيا إلى المحكمة، طالبة تدابير إضافية، خصوصًا مع تفاقم الوضع في رفح. وعُقدت جلسات استماع جديدة يومي 16 و17 أيار/مايو 2024، في تأكيد على أن القضية لم تُغلق، وأن المحكمة تحتفظ بولايتها طالما استمر الخطر.

في هذا التسلسل الزمني، لا يمكن حصر المسؤولية في الدولة المدّعية أو المحكمة او الدول التي انضمت للقضية وحدها. فباعتبارها دولة طرفًا في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، فإن دولة فلسطين تتحمّل التزامًا قانونيًا مباشرًا بمتابعة تنفيذ أوامر المحكمة. هذا يعني أن دور فلسطين لا يجب أن يقتصر على الترحيب بالقرارات، بل يشمل: توثيق عدم الامتثال بشكل منهجي، ورفعه عبر القنوات القانونية والدبلوماسية، والمطالبة الصريحة بإجراءات دولية لضمان التنفيذ.

إن الاكتفاء بالموقف السياسي يفرّغ الاعتراف الدولي بفلسطين من مضمونه القانوني. على الدول الموقّعة والدول المعترِفة: التزام مضاعف. أكثر من 150 دولة صادقت على اتفاقية منع الإبادة الجماعية. وبموجبها، لا يقتصر الالتزام على الامتناع عن ارتكاب الجريمة، بل يشمل منعها وملاحقة انتهاكها. وتتحمّل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين مسؤولية مضاعفة لأنها اليوم مطالَبة بحمايتها قانونيًا. فالاعتراف الذي لا يُترجم إلى ضغط دبلوماسي، أو مراجعة علاقات، أو دفاع علني عن إلزامية قرارات المحكمة، يتحوّل إلى إجراء رمزي منزوع الأثر.

العدالة مسار، لم تصدر محكمة العدل الدولية حكمها النهائي بعد، وقد يستغرق ذلك سنوات. لكن التسلسل الزمني للقضية يوضح حقيقة واحدة: القانون الدولي لا يعمل تلقائيًا، بل يحتاج إلى دول تُصرّ على تفعيله. على دولة فلسطين أن تقود مسار المتابعة، لا أن تكتفي بدور الضحية. وعلى الدول الموقّعة، ولا سيما المعترِفة بفلسطين، أن تثبت أن الاعتراف التزام، لا شعار. ففي هذه القضية، إسقاط المتابعة هو إسقاط للمساءلة، وإسقاط المساءلة هو تقويض للحقوق ولمعنى العدالة الدولية واشارة لاستمرار تمتع إسرائيل بالإفلات من العقاب امام الجرائم اليومية وهذا السبب الأساس في عدم احترام دولة الاحتلال لاي من القوانين او القرارات الأممية لأنها دائما تفلت من العقاب حتى أصبحت تتعامل مع منظومة العمل الدولي باستهزاء لا سابق له.