الفارس الشهم يكرّم كمال صبح بعد فوزه بجائزة السوربون في باريس
شريف الهركلي
الفارس الشهم يكرّم كمال صبح بعد فوزه بجائزة السوربون في باريس
الكوفية في زمن الحرب والخراب، يخرج الفن والأدب من تحت الركام كأنهما يعاندان آلة الدمار، ويؤكدان أن الاحتلال مهما اشتدت قسوته لا يستطيع أن يهزم روح الإنسان ولا أن يطفئ جذوة الإبداع الفلسطيني.
وفي مشهد يحمل الكثير من الدلالات الإنسانية والثقافية، كرّمت عملية الفارس الشهم 3 الكاتب والروائي والفنان التشكيلي الفلسطيني كمال صبح، بعد فوزه بجائزة جامعة السوربون في باريس عن لوحته السريالية التي اختيرت لتكون العمل الفني المركزي لمؤتمر دولي بعنوان "تفكيك الحرب"، والمقرر عقده منتصف سبتمبر المقبل.
ولا يمكن فصل هذا التكريم عن الدور الإنساني الكبير الذي تضطلع به دولة الإمارات العربية المتحدة تجاه أبناء الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، حيث قدمت عبر عملية الفارس الشهم 3 دعماً إنسانياً وإغاثياً واسعاً براً وبحراً وجواً، واضعة الإنسان في مقدمة أولوياتها.
غير أن أهمية هذا التكريم تتجاوز الاحتفاء بإنجاز فردي، لتؤكد أن الدعم الإنساني لا يقتصر على الغذاء والدواء والمأوى فحسب، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والثقافي والمعنوي، لأن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بحماية روحه وعقله وذاكرته الجمعية.
لقد استطاع كمال صبح أن يحمل فلسطين إلى واحدة من أهم المنابر الأكاديمية والثقافية العالمية، مقدماً لوحة فنية عميقة قرأت الحرب من منظور إنساني ونفسي، بعيداً عن صور الدمار المباشرة، لتكشف آثارها المتغلغلة في الوعي والذاكرة والهوية الإنسانية.
ويحمل هذا التكريم رسالة مهمة مفادها أن الفن لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح أحد أهم أدوات القوة الناعمة الفلسطينية، وساحة نضالية واسعة قادرة على مخاطبة الضمير الإنساني العالمي بلغة الجمال والفكرة والمعرفة.
لقد أثبت الفلسطيني، مرة بعد أخرى، أن الإبداع يولد حتى في أكثر الظروف قسوة، وأن الفنان كما الكاتب والروائي، يقفون في الصفوف الأولى للدفاع عن الرواية الوطنية وحماية الذاكرة الفلسطينية من محاولات الطمس والتغييب.
ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من التكريم الرمزي إلى بناء مشروع ثقافي مستدام يحتضن الفنانين والمبدعين الفلسطينيين. إن دعم الفنان الفلسطيني اليوم لم يعد خياراً ثقافياً، بل ضرورة وطنية وإنسانية، ولذلك نأمل أن يكون تكريم كمال صبح بداية لمشروع أوسع تتبناه عملية الفارس الشهم 3 لرعاية الفنانين والمبدعين الفلسطينيين، باعتبار أن الريشة واللون والكلمة تشكل إحدى أهم ساحات النضال الفلسطيني المعاصر.
فالفن ليس ترفاً في زمن الحرب، بل ضرورة وطنية تحفظ الذاكرة حين تتعرض الأمكنة للخراب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توفير الأدوات الفنية والمساحات الإبداعية والبرامج التي تمكن الفنان الفلسطيني من الاستمرار في أداء رسالته الإنسانية والوطنية، لأن بناء الإنسان لا يكتمل بالغذاء والدواء فقط، بل بحماية روحه وثقافته وحقه في التعبير والإبداع.
إن تكريم كمال صبح لا يمثل احتفاءً بإنجاز فردي فحسب، بل يفتح الباب أمام رؤية أوسع تؤمن بأن الثقافة شريك أساسي في إعادة بناء المجتمع الفلسطيني، وأن الفن سيبقى إحدى أقوى أدوات الصمود التي تحول الألم إلى جمال، والوجع إلى ذاكرة، والذاكرة إلى رسالة تصل إلى العالم بأسره.
ومن قلب غزة الجريحة، تتجدد الرسالة ذاتها: قد تهدم الحرب الحجر، لكنها تعجز عن هزيمة الإنسان المبدع الذي يحول الألم إلى أثر، والركام إلى نافذة مفتوحة على العالم.
