المثقف وترشيد العادات والتقاليد.. من سلطة الموروث إلى أخلاق الوعي
المثقف وترشيد العادات والتقاليد.. من سلطة الموروث إلى أخلاق الوعي
الكوفية تتشابك العادات والتقاليد بالأنساق الثقافية المركبة التي تتكامل فيها الذاكرة الجمعية مع منظومات القيم والرموز والسلطة والهوية، حتى تغدو جزءًا من البنية العميقة التي تنتظم بها حياة المجتمعات.
ويضمن المجتمع استمراره عبر القوانين والمؤسسات الرسمية، ومن خلال ما يرسخه وعي الأفراد من أعراف وأنماط سلوك ومعايير حكم تنتقل بالتنشئة الاجتماعية من جيل إلى آخر، حتى تستقر في اللاوعي الجمعي بوصفها حقائق لا تسائل ومسلمات لا تناقش، لذلك نجد أن قوة العادة لا تستمد مشروعيتها بالضرورة من عقلنتها أو عدالتها، وإنما من قدرتها على التحول إلى ما يشبه "القانون الثقافي غير المكتوب" والذي يفرض سلطته بقوة الإجماع والرقابة الاجتماعية أكثر مما تفرضه السلطة القانونية ذاتها.
لقد أدرك عبد الرحمن بن خلدون هذه الحقيقة مبكرًا حين قرر في مقدمته أن: "العوائد إذا تمكنت صارت طبيعة ثانية"، وهي عبارة تختزل رؤية اجتماعية بالغة العمق خاصة أنها تشير إلى أن الإنسان يرث السلوك إضافة لمنظومة كاملة من التصورات والتأويلات التي تعيد تشكيل وعيه بذاته وبالعالم.
وتورّث العادة باعتبارها إطارًا إدراكيًا يحدد ما يعد طبيعيًا أو مستهجنًا، مقبولًا وحتى مرفوضًا وليس باعتبارها ممارسة ظاهرية، ولهذا تتحول كثير من الأعراف مع مرور الوقت إلى حقائق تظهر كأنها فوق التاريخ، علمًا أنّ أصل نشأتها لم تكن سوى استجابات ظرفية لبيئات اقتصادية، وسياسية، وثقافية، فقدت كثيرًا من مبرراتها بينما احتفظت بسلطانها الرمزي.
وتتجلى إحدى أعقد المفارقات الحضارية في حياة الأمم والمجتمعات، فليس كل ما ورثناه يستحق البقاء، والعكس صحيح فكل جديد ليس جديرًا بالاتباع!! فالنهضة لا تتحقق بقطيعة جذرية مع الماضي أو بالتسليم المطلق له، وإنما تنشأ من قدرة المجتمع على إقامة حوار نقدي دائم مع موروثه، يميز فيه بين القيم المؤسسة لهويته، وبين الممارسات التي استنفدت وظائفها التاريخية.
ويرى الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن أن التراث ليس ركامًا من النصوص أو العادات والتقاليد، إنما فعل حضاري متجدد يستمد مشروعيته من إعادة قراءته في ضوء مقاصده الأخلاقية والإنسانية، علمًا أنّ العلاقة الواعية بالتراث ليست علاقة تقديس تشل العقل، أو قطيعة تمحو الذاكرة، وإنما علاقة اجتهاد، وتأويل، وتجديد، تحفظ الأصول، وتراجع الفروع، وتصون الثوابت، دون أن تجمد المتغيرات.
ويقدم إميل دوركايم من منظور علم الاجتماع تفسيرًا بالغ الأهمية لهذه الظاهرة حين يصنف العادات والأعراف ضمن "الوقائع الاجتماعية" التي تمتلك وجودًا مستقلًا عن إرادة الأفراد، وتمارس عليهم سلطة إلزامية خفية تجعلهم يمتثلون لها خشية الجزاء الرمزي والعقوبة المعنوية أكثر مما يمتثلون أحيانًا للنصوص القانونية نفسها.
ويخشى الفرد فقدان الاعتراف الاجتماعي أو التعرض للعزل والإدانة الرمزية، لذلك تتحول السلطة الاجتماعية إلى سلطة غير مرئية، لكنها أشد تأثيرًا من أدوات الإكراه المباشر.
ويذهب بيير بورديو إلى تعميق هذا الفهم من خلال مفهوم "الهابيتوس" Habitus، الذي يفسر كيف يعيد المجتمع إنتاج عاداته بصورة تلقائية عبر عمليات التنشئة، والتعليم، والأسرة، والمؤسسات الثقافية، حتى تصبح هذه العادات جزءًا من البنية الغير واعية للفرد.
وكثيرًا ما يظن الانسان أنه يختار بحرية، بينما تكون اختياراته، في حقيقتها، محكومة بتاريخ طويل من التشكيل الثقافي الذي صاغ ذوقه، وحدد تصوراته عن المكانة والنجاح والشرف والوجاهة الاجتماعية. فتتحول العادة من ممارسة اجتماعية إلى آلية لإعادة إنتاج البناء الاجتماعي نفسه، بما يحمله من قيم إيجابية أو أنماط تمييز واختلالات تاريخية.
وتبدأ المسؤولية التاريخية للمثقف ومن هذا المنطلق، علمًا أنه ليس وسيطًا لنقل المعرفة أو موظفًا في المؤسسة الثقافية، بل هو الذي يمتلك القدرة على تفكيك البنى الرمزية للمجتمع من خلال العقل النقدي وكشف الفارق بين القيمة التي تحمي الإنسان والعادة التي أصبحت تستنزفه باسم الوفاء للماضي.
ولا يقف المثقف الحقيقي عند حدود الوصف في الوقت الذي فيه يمارس وظيفة التأويل والنقد، ويعيد مساءلة المسلمات التي اعتادت المجتمعات التعامل معها بوصفها حقائق نهائية، فيكشف جذورها التاريخية، ويختبر صلاحيتها الأخلاقية، ويقيس أثرها في كرامة الإنسان وحريته وعدالته.
إنّ مهمة المثقف ليست إعلان القطيعة مع التراث، ولا إثارة الصدام مع الوجدان الجمعي، وإنما ممارسة ما يمكن تسميته بـ "فقه التمييز الحضاري"، وهو الوعي القادر على الفصل بين ما يشكل رصيدًا أخلاقيًا ينبغي تعزيزه، وما أصبح عبئًا تاريخيًا ينبغي مراجعته، فالهوية الحية ليست تلك التي تكدس الموروثات، بل تلك التي تمتلك شجاعة غربلتها وتجديدها، بحيث يبقى التراث مصدرًا للإلهام ويبقى الإنسان غاية الثقافة لا أسيرها.
ولعل القرآن الكريم قد أسس لهذا المنهج النقدي تأسيسًا معرفيًا وأخلاقيًا حين رفض أن يجعل مجرد تقليد الآباء دليلًا على صحة المعتقد أو السلوك، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
فالآية الكريمة لا تدعو إلى القطيعة مع الموروث، وإنما تؤسس لمعيار حضاري يجعل العقل والحق والمصلحة والقيم الأخلاقية ميزانًا لاستمرار العادات ومراجعتها، حيث يتحول النقد من فعل هدم إلى فعل إصلاح، ومن موقف ثقافي إلى مسؤولية شرعية وأخلاقية، ويغدو الاجتهاد في مراجعة الأعراف ضرورة حضارية تحفظ للمجتمع هويته، وتمنحه في الوقت نفسه القدرة على التجدد ومواكبة تحولات التاريخ دون أن يفقد جذوره.
2 - العادات بين التماسك الاجتماعي والاستنزاف الحضاري
ولدت العادات والتقاليد في المجتمعات الإنسانية استجابةً لحاجات وجودية وتنظيمية اقتضتها ظروف المجتمعات البشرية، فهي آليات ثقافية ابتكرها الإنسان لتنظيم العلاقات فيما بينها، وحفظ الاستقرار، وتعزيز الانتماء، وتقليل مساحة الفوضى داخل الجماعة، غير أن التاريخ الاجتماعي يعلمنا أن كل نسق ثقافي يفقد قابلية المراجعة يتحول تدريجيًا من وسيلة لتنظيم الحياة إلى سلطة تتحكم فيها! فالعادة تصبح إشكالية عندما تستقل عن الغاية التي أنشأتها، وتستمر في فرض ذاتها رغم تبدل الشروط التاريخية التي أوجدتها، وبذلك يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الوفاء للتراث والخضوع له، فيتحول الماضي من مصدر خبرة إلى سلطة تعيق المستقبل.
ويذهب علماء الأنثروبولوجيا الثقافية إلى أن الثقافة ليست معطى ساكنًا، وإنما بناء رمزي دائم التشكل يعيد إنتاج نفسه كلما تغيرت شروط الحياة!
وعبّر كليفورد غيرتز عن هذه الفكرة بقوله: "إن الإنسان حيوان معلق في شبكات من المعاني نسجها بنفسه" (Geertz, The Interpretation of Cultures, 1973)، وهي عبارة تكشف أن الثقافة ما يحدد الطريقة التي نفكر ونشعر ونحكم بها على الأشياء، علمًا أنّ مراجعة العادات ليست تهديدًا للهوية، بل هي في حقيقتها مراجعة للمعاني التي تمنح الهوية قدرتها على الاستمرار والتجدد.
ويرى الفيلسوف الألماني هانز غادامير أن التراث لا يعيش بالتكرار وإنما بالحوار، فكل جيل يعيد تأويل الموروث وفق أسئلته التاريخية الجديدة، لأن الفهم نفسه عملية تاريخية متجددة لا تتوقف (Truth and Method, 1960). لذلك إن المحافظة الحقيقية على التراث لا تعني إعادة إنتاج الماضي كما هو، بل إعادة اكتشاف مقاصده في ضوء تحولات الواقع، وإلا تحول التراث إلى ذاكرة جامدة، بينما وجد أصلًا ليكون مصدرًا للحياة.
وينبغي النظر إلى كثير من الممارسات الاجتماعية السائدة في مجتمعاتنا العربية، إذ لم يعد عدد كبير منها يؤدي الوظيفة الاجتماعية التي نشأ من أجلها، بل أصبح ينتج آثارًا معاكسة تمامًا، فما كان في زمن مضى تعبيرًا عن التكافل الاجتماعي تحول في بعض البيئات إلى وسيلة لإظهار التفوق الطبقي، وما كان يرمز إلى الكرم بات أداة للمنافسة الاستهلاكية، وما كان مناسبة لإعلان الفرح أصبح في أحيان كثيرة ساحة لاستعراض المكانة الاجتماعية! وهكذا ينتقل المجتمع دون وعي من اقتصاد الحاجة إلى اقتصاد المباهاة، وثقافة المقارنة، حتى يغدو الإنسان مقاسًا بما ينفقه لا بما يضيفه إلى الحياة من علم أو خلق أو أثر حضاري.
وأدرك أنطونيو غرامشي أن أخطر أشكال السلطة تلك التي تنجح في جعل الناس يقبلون أنماطًا من السلوك بوصفها طبيعية وبديهية، وهو ما سماه "الهيمنة الثقافية" (Prison Notebooks). فالهيمنة تعمل عبر تحويل الأعراف إلى يقين جمعي، بحيث يصبح الخروج عليها خروجًا على الجماعة نفسها، لذلك تكتسب العادة قوة استثنائية، لأنها تحدد ما يعتبره المجتمع فضيلة أو نقصًا، نجاحًا أو فشلًا، احترامًا أو عيبًا.
وتتجلى هذه الهيمنة بوضوح في المناسبات الاجتماعية الكبرى، ولا سيما حفلات الزواج والنجاح والولائم، حيث تتضخم النفقات إلى مستويات تستنزف الأسر اقتصاديًا ونفسيًا، لا استجابةً لحاجة حقيقية، وإنما خوفًا من فقدان الاعتراف الاجتماعي، فالأزمة هنا ليست مالية فحسب، بل رمزية أيضًا إذ يصبح الإنسان أسير الصورة التي يريد المجتمع أن يراه من خلالها، فينفق ليحافظ على مكانته المتخيلة، لا على مصلحته الواقعية.
ووصف زيغمونت باومان هذه الحالة بأنها إحدى سمات "الحداثة السائلة"، حيث تتحول قيمة الإنسان تدريجيًا من كونه منتجًا للمعنى إلى مستهلك للرموز، ويغدو الاعتراف الاجتماعي سلعة تُشترى بالمظاهر أكثر مما تُكتسب بالفضائل (Liquid Modernity, 2000).
ويشير ماكس فيبر من منظور علم الاجتماع السياسي، إلى أن السلطة التقليدية تكتسب مشروعيتها من استمرار العرف ذاته، لا من سلامة نتائجه (Economy and Society)، لذلك يخضع كثير من الناس للعادات وهم يدركون أنها مرهقة أو غير عقلانية، لأن تكلفة مخالفتها اجتماعيًا تبدو أعلى من تكلفة ممارستها، ويؤكد علم النفس الاجتماعي هذه الحقيقة من خلال دراسات الامتثال الاجتماعي التي أثبتت أن الإنسان يميل إلى موافقة الجماعة حفاظًا على شعوره بالانتماء، حتى عندما تتعارض ممارساته مع قناعاته الشخصية! فهكذا تصبح العادة أقوى من الاقتناع، لأن الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي تتغلب على الحاجة إلى الاتساق العقلي.
ويضيف ميشيل فوكو بعدًا أكثر عمقًا حين يبين أن السلطة الحديثة لا تفرض نفسها بالسلاح وحده، بل عبر تشكيل الأجساد والعقول وأنماط الحياة اليومية، حتى يمارس الإنسان الرقابة على نفسه دون حاجة إلى رقيب خارجي (Discipline and Punish, 1975)، وفي هذا السياق يمكن فهم كثير من العادات بوصفها آليات للضبط الاجتماعي والتي تجعل الفرد يراقب ذاته باستمرار خشية نظرة الآخرين، فيتحول المجتمع بأسره إلى سلطة رمزية منتشرة في الوعي أكثر من انتشارها في المؤسسات.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في وجود العادات، وإنما في تحولها إلى غاية قائمة بذاتها بعد أن كانت وسيلة لخدمة الإنسان، فالاحتفال الذي وجد لصناعة الفرح لا يجوز أن يصنع الديون، والكرم الذي شرع لتقوية الروابط الإنسانية لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة استهلاكية، والتقاليد التي هدفت إلى حماية التماسك الاجتماعي لا يصح أن تصبح سببًا في القلق النفسي أو التفاوت الاقتصادي أو تعطيل فرص الشباب في بناء أسرهم، فكل عادة تفقد بعدها الإنساني تفقد في الوقت نفسه مشروعيتها الحضارية، مهما بلغ عمرها في التاريخ.
ويؤكد إدغار موران أن المجتمعات التي تعجز عن ممارسة النقد الذاتي تدخل في حالة من "العمى المعرفي"، حيث تصبح غير قادرة على رؤية الأخطاء التي تنتجها أنساقها الثقافية لأنها تعيش داخلها وتفكر من خلالها (The Seven Complex Lessons in Education for the Future, 1999). ومن هنا فإن الإصلاح الثقافي ليس إعلانًا للقطيعة مع المجتمع، بل هو ممارسة دائمة للنقد الحضاري الذي يعيد وصل الوسائل بمقاصدها، ويجعل الإنسان غاية الثقافة لا ضحيتها.
إن الحضارة لا تقاس بكمية ما تحتفظ به من عادات، وإنما بقدرتها على مراجعتها وإعادة بنائها كلما تعارضت مع كرامة الإنسان أو عطلت إمكانات تقدمه، فالثقافات الحية ليست تلك التي تمتلك شجاعة مساءلتها، لأن الوفاء الحقيقي للماضي يسير بتحقيق الغايات الإنسانية التي قام عليها، وتجديدها بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة الإنسان في الحاضر وصناعة المستقبل.
3 - المثقف بوصفه فاعلًا حضاريًا: من نقد الواقع إلى صناعة البدائل
إذا كانت المجتمعات هي التي تنتج عاداتها عبر التراكم التاريخي، فإن المثقف هو الضمير الذي يمنع هذا التراكم من أن يتحول إلى جمود. فالثقافة، في معناها الحضاري، ليست مخزونًا من المعارف ولا ترفًا ذهنيًا يزين الخطاب، وإنما هي ممارسة أخلاقية غايتها حماية الإنسان من الاستسلام لما اعتاده، وإيقاظ قدرته الدائمة على إعادة النظر فيما يصنع حياته ، فلا تقاس قيمة المثقف بما يحفظه من معلومات أو بعدد ما يكتب من مقالات وكتب، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى إرادة، والإرادة إلى مشروع إنساني يعيد للإنسان حقه في أن يكون فاعلًا في صناعة مصيره، لا مجرد وريثٍ لأنماط حياة فرضها الماضي.
إن المثقف الحقيقي يبدأ من السؤال، فالمجتمعات التي تتوقف عن مساءلة نفسها تبدأ من حيث لا تشعر في فقدان قدرتها على التجدد! ويرى سقراط في ذلك " أن الحياة التي لا تفحص لا تستحق أن تعاش، لأن الإنسان يكتمل بامتلاك الشجاعة الأخلاقية التي تمكنه من مساءلة يقينياته باستمرار، ولذلك يصبح فعل النقد أعلى درجات الوفاء له، لأن النقد يستهدف تحرير البنية الاجتماعية من العناصر التي فقدت قدرتها على خدمة الإنسان.
ينظر أنطونيو غرامشي إلى المثقف بوصفه "مثقفًا عضويًا"، أي إنسانًا منخرطًا في نسيج مجتمعه، لا يعيش خارجه ولا يتحدث إليه من موقع الوصاية، بل يسهم في إعادة تشكيل وعيه التاريخي من الداخل (Selections from the Prison Notebooks، 1971). فالكلمة في هذا التصور فعل اجتماعي يعيد توزيع المعاني وتعريف الممكن والمستحيل، ويكسر هيمنة الأفكار التي ترسخت حتى بدت وكأنها قدر لا يقبل المراجعة.
ويقترب إدوارد سعيد من هذا المعنى حين يقرر أن وظيفة المثقف ليست البحث عن الرضا الاجتماعي، وإنما امتلاك الشجاعة لقول الحقيقة في وجه السلطة، أيًّا كان شكلها: "سلطة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو حتى اجتماعية" (Representations of the Intellectual، 1994).
فليس كل ما يحظى بإجماع الناس صحيحًا، كما أن الأكثر شيوعًا ليس بالضرورة الأكثر عدلًا! ولهذا يطلب من المثقف أن يكون يقظةً أخلاقية تحرس المجتمع من استبداد المألوف، لأن أخطر أنواع الاستبداد هو ذلك الذي لا يشعر الناس بوجوده.
ومن هنا تتجاوز مسؤولية المثقف مجرد نقد العادات إلى تفكيك البنية الفكرية التي تمنحها شرعيتها، وهذا ما أدركه مالك بن نبي حين أكد أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة وسائل أو إمكانات، بل أزمة أفكار! فالأشياء لا تتحرك من تلقاء نفسها، وإنما تحركها الأفكار التي تمنحها معناها واتجاهها، ولهذا فإن إصلاح المجتمع يبدأ بإعادة بناء المنظومة الفكرية التي تنتج هذه المظاهر وتعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. فحين يتغير الوعي، تتبدل الممارسة تلقائيًا، أما حين يفرض التغيير من الخارج دون أن يمس البنية الفكرية، فإنه يبقى إصلاحًا هشًا سرعان ما يعيد المجتمع إنتاج أنماطه القديمة.
غير أن المثقف يفقد رسالته عندما يتحول إلى مجرد ناقد دائم للواقع، فالنقد الذي لا يفتح أفقًا جديدًا قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال العجز الثقافي، لأنه يضاعف الإحساس بالأزمة دون أن يمنح المجتمع القدرة على تجاوزها.
ويرى الفيلسوف كارل بوبر أن المجتمعات المفتوحة لا تتقدم بكثرة الشعارات، وإنما بقدرتها المستمرة على تصحيح أخطائها، وأن قيمة الفكر لا تكمن في ادعائه امتلاك الحقيقة، بل في استعداده الدائم لمراجعة نفسه (The Open Society and Its Enemies، 1945). ومن هنا فإن المثقف يبدأ دوره الحقيقي عندما يصنع إمكانًا جديدًا للواقع.
ويمنح بول ريكور هذه المسؤولية بعدًا إنسانيًا أعمق حين يربط الهوية بالقدرة على إعادة تأويل الذات باستمرار، فالأفراد والمجتمعات لا يحافظون على هويتهم بالتكرار، وإنما بإعادة قراءة ذواتهم في ضوء الخبرة التاريخية المتجددة (Oneself as Another، 1992).
إن مراجعة العادات ليست تهديدًا للهوية، بل هي أحد شروط بقائها؛ لأن الهوية التي تعجز عن نقد نفسها تتحول إلى قوقعة تحمي الماضي أكثر مما تخدم المستقبل!!!
ولذلك فإن الإصلاح الثقافي لا يبدأ بإدانة المجتمع أو السخرية من عاداته، لأن الناس لا يتمسكون بالموروث لأنه دائمًا أكثر عقلانية، بل لأنه يمنحهم شعورًا بالأمان والاستمرارية والانتماء.
وأوضح كل من بيتر بيرغر وتوماس لوكمان أن الواقع الاجتماعي يكتسب سلطته لأنه يبدو للأفراد وكأنه حقيقة طبيعية مستقلة عنهم، مع أنه في الأصل نتاج أفعالهم وتصوراتهم المتراكمة (The Social Construction of Reality، 1966). وما دام الإنسان هو الذي أنشأ هذا الواقع، فإنه قادر أيضًا على إعادة بنائه متى امتلك الشجاعة الفكرية والوعي النقدي.
إن المثقف يغيّر المجتمع بتغيير اللغة التي يفهم بها المجتمع نفسه، ولذلك لا تقتصر أدواته على المقالة أو المحاضرة أو البحث الأكاديمي، بل تمتد إلى الرواية، والشعر، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية، والإعلام، والفضاء الرقمي ألخ، لأن هذه الوسائط لا تنقل الأفكار فحسب، بل تعيد تشكيل المخيلة الجمعية التي تتولد منها الأفكار ذاتها.
إن أعظم التحولات الحضارية لم تبدأ غالبًا بقرار سياسي، بل بدأت بفكرة غيّرت نظرة الإنسان إلى ذاته، أو بكتاب أيقظ ضميرًا، أو برواية زعزعت يقينًا، أو بقصيدة أعادت تعريف الكرامة والحرية.
وتبرز مسؤولية المثقف في الانتقال من ثقافة الاعتراض إلى ثقافة الاقتراح، فلا يكفي أن يبين للناس أن بعض العادات تستنزفهم، بل عليه أن يصوغ بدائل أكثر إنسانية، وأكثر عدلًا، وأكثر انسجامًا مع مقاصد القيم التي قامت عليها تلك العادات في أصلها، فحين يدعو إلى زواج يحفظ الكرامة ولا يرهق الأسر، أو إلى احتفال يجعل النجاح مناسبة لتكريم العلم لا لاستعراض الثراء، أو إلى إحياء قيم التكافل بعيدًا عن ثقافة الاستهلاك والمنافسة، فإنه لا يهدم الموروث، بل يعيده إلى وظيفته الأولى بوصفه خادمًا للإنسان.
ويتلاقى هذا مع ما ذهب إليه باولو فريري حين رأى أن الثقافة الحقيقية ليست عملية تلقين، بل ممارسة تحررية تساعد الإنسان على إدراك العالم بوصفه مشروعًا قابلًا للتغيير، لا قدرًا مفروضًا عليه (Pedagogy of the Oppressed، 1970). فالتربية والثقافة، في جوهرهما، لا تصنعان أفرادًا أكثر معرفة فقط، وإنما تصنعان بشرًا أكثر قدرة على تحمل مسؤولية المستقبل.
ويؤكد يورغن هابرماس أن المجتمعات لا تنضج إلا حين تستبدل منطق الهيمنة بمنطق الحوار، لأن التغيير الذي يقوم على الإقناع أرسخ أثرًا من التغيير الذي يُفرض بالقوة (The Theory of Communicative Action، 1984). ولذلك فإن المثقف ليس وصيًا على المجتمع، بل شريكًا له في إنتاج معنى جديد للحياة المشتركة، يحترم الموروث حين يحقق كرامة الإنسان، ويملك الجرأة على مراجعته حين يتحول إلى عبء على العقل والحرية والعدالة.
وعليه، فإن المثقف الذي يكتفي برصد الأزمات يبقى شاهدًا على عصره، أما المثقف الذي يزرع البدائل، ويمنح المجتمع القدرة على تخيل مستقبل أكثر إنسانية، فهو الذي يصنع التاريخ. فالثقافة، في جوهرها، ليست وصفًا للعالم كما هو، وإنما مشاركة مسؤولة في إعادة تشكيله كما ينبغي أن يكون؛ لأن الحضارات لا تنهض بكثرة ما تمتلكه من المعرفة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى ضمير، والضمير إلى فعل، والفعل إلى حياة أكثر عدلًا وكرامةً للإنسان.
4 - نحو نظرية حضارية في نقد العادات: من سلطة الموروث إلى معيار المقاصد
لعل الإشكال الأكبر في علاقة المجتمعات بعاداتها لا يكمن في وجود تلك العادات، وإنما في الآلية التي تمنح بها الشرعية للاستمرار، فكثير من الممارسات الاجتماعية تستمد قوتها من قِدمها حتى يغدو الزمن نفسه حجةً على صحتها، وكأن التاريخ ينتج الحقيقة بمجرد التراكم، فينشأ ما يمكن تسميته بـ "وهم الشرعية الزمنية"، أي الاعتقاد بأن كل ما استقر في الوعي الجمعي يصبح فوق المساءلة، بينما الحقيقة الاجتماعية تؤكد أن البقاء لا يدل دائمًا على الصلاح، كما أن الاندثار لا يعني بالضرورة فساد الفكرة!! فالتاريخ يحفظ الفضائل والأخطاء أيضًا، ويبقى العقل النقدي هو الأداة الوحيدة القادرة على التمييز بينهما.
ولم تعد الحاجة تقتصر على مراجعة بعض العادات، بل إلى بناء نظرية حضارية في نقدها " أي العادات"، تجعل السؤال الرئيسي: "أي إنسان تنتجه هذه الممارسة؟"، فالعادة التي تنمي الرحمة، وتحفظ الكرامة، وتعزز العدالة، وتحقق السكينة الاجتماعية، تستحق البقاء ولو تغيرت أشكالها، أما العادة التي تزرع الخوف الاجتماعي، وتؤسس للتفاخر الطبقي، أو تستنزف الإنسان اقتصاديًا ونفسيًا، فإن استمرارها لا يصبح وفاءً للتراث، بل تعطيلًا لمقاصده!.
وتبرز أطروحة يمكن اعتبارها من ضرورات الإصلاح الثقافي، وهي أن العادات لا ينبغي أن تقاس بعمرها بل بأثرها الحضاري، خاصة أنّ المعيار الحقيقي ليس عدد الأجيال التي مارستها انما مقدار الخير الذي تضيفه إلى حياة الناس.
إن المجتمع الذي يقيس شرعية عاداته بقدمها وحده، يضع الزمن في منزلة البرهان، بينما المجتمع الواعي يجعل الإنسان هو البرهان، لأن الغاية النهائية لكل ثقافة هي خدمة الإنسان لا استعباده.
ولعل أبرز مظاهر الأزمة الثقافية المعاصرة أن بعض العادات خرجت من دائرة الممارسة الاجتماعية إلى دائرة السلطة الرمزية، فهي تحولت إلى أدوات لإنتاج المكانة الاجتماعية بعد أن كانت مجرد أفعال، ومن أجل إعادة توزيع الهيبة بين الأفراد والعائلات بحيث لا يعود الاحتفال تعبيرًا عن الفرح، بل يصبح إعلانًا عن القوة الاقتصادية، ولا يغدو الكرم قيمة أخلاقية، بل وسيلة للمنافسة الاجتماعية، فتتحول الرموز إلى غايات، وتفقد القيم مضمونها الإنساني. وهذه أخطر لحظة تمر بها العادة؛ لأنها تتحول من وسيلة لبناء المجتمع إلى وسيلة لتكريس التفاوت داخله.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم جديد هو "الاقتصاد الأخلاقي للعادات"، ويقصد به إخضاع العادات لميزان أخلاقي واجتماعي لا لميزان الكلفة المالية وحدها. فليست المشكلة في كثرة الإنفاق بحد ذاتها، وإنما في النتائج التي يتركها هذا الإنفاق على العدالة الاجتماعية، وعلى شعور الفقراء، وعلى استقرار الأسرة، وعلى منظومة التكافل. فقد تكون عادة قليلة الكلفة لكنها تُنتج الإقصاء، وقد تكون عادة مكلفة لكنها تحقق مصلحة عامة، ولذلك فإن الحكم على العادات ينبغي أن ينطلق من أثرها في الإنسان قبل النظر إلى صورتها الخارجية.
وإذا كان علماء الاجتماع قد تحدثوا عن "الضمير الجمعي" بوصفه القوة التي تحفظ تماسك المجتمع، فإن الحاجة اليوم تفرض الانتقال إلى ما يمكن تسميته "الضمير النقدي الجمعي"، أي القدرة المشتركة على مراجعة الذات دون شعور بالتهديد، وإعادة النظر في الممارسات الاجتماعية دون اتهام أصحاب المراجعة بالخروج على الهوية أو العصيان الثقافي، فالمجتمع الذي يخاف من نقد عاداته يفقد تدريجيًا قدرته على تجديد نفسه، لأن كل حضارة تتوقف عن نقد ذاتها تبدأ، من حيث لا تشعر، في استهلاك رصيدها التاريخي بدل إنتاج مستقبلها.
ويؤكد القرآن الكريم هذا المنهج حين يربط بين العقل والهداية، ويرفض الاتباع الأعمى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ "البقرة: 170". فالآية لا ترفض التراث، وإنما ترفض أن يتحول إلى بديل عن العقل، وتؤسس لمبدأ حضاري بالغ الأهمية، وهو أن قيمة الموروث تُستمد من موافقته للحق والعدل، لا من مجرد قِدمه.
إن مسؤولية المثقف لا ينبغي أن تختزل في كشف العيوب أو نقد الظواهر، وإنما في إنتاج معايير حضارية يستطيع المجتمع أن يحتكم إليها كلما واجه عادة جديدة أو موروثًا قديمًا! فالمثقف الحق لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يبني أدوات التفكير، ويحرر الوعي من الارتهان للمألوف، ويحول النقد من موقف احتجاجي إلى مشروع معرفي يوازن بين الأصالة والتجديد.
وهكذا يغدو ترشيد العادات مشروعًا لبناء الأمن الثقافي للمجتمع، فالأمن الثقافي لا يتحقق بكثرة الشعارات المدافعة عن التراث، وإنما بقدرة المجتمع على صيانة قيمه الكبرى، مع امتلاك الشجاعة لتجديد الوسائل التي تحمل تلك القيم، فالهوية حركة واعية تحفظ الثوابت، وتعيد تشكيل المتغيرات، حتى يبقى الإنسان هو الغاية العليا لكل بناء حضاري، وتبقى العادات خادمةً للحياة، لا قيدًا على ازدهارها.
5 - المثقف وصناعة الوعي الحضاري
إن أخطر ما في العادات والتقاليد أنها لا تستمر بقوة الإقناع، بل بقوة الاعتياد؛ فالإنسان لا يولد مؤمنًا بعاداته، وإنما يتشربها عبر عملية طويلة من التنشئة الاجتماعية حتى تصبح جزءًا مما يسميه علماء الاجتماع "الوعي الضمني"، أي ذلك المستوى من الإدراك الذي يمارس تأثيره في السلوك دون أن يخضع للفحص أو النقد! حيث تنشأ إحدى أعقد وظائف المثقف الذي يسعى إلى كشف البنية الذهنية التي تمنحها شرعيتها، لأن تغيير السلوك دون تغيير التصورات الكامنة لا ينتج إلا تحولًا شكليًا سرعان ما يعود إلى صورته الأولى.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والعادة، وإنما بين العقل وما يمكن تسميته "الذاكرة الاجتماعية المغلقة". فالذاكرة الجمعية حين تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها فتتحول من وعاء للخبرة التاريخية إلى سلطة رمزية تفرض على الأحياء أن يعيشوا بمنطق الأسلاف لا بمنطق الواقع، وعند هذه النقطة يفقد المجتمع إحدى أهم خصائصه الحضارية وهي: القدرة على التعلم من الزمن، لأن الحضارات لا تقاس بكمية ما تحفظه من الماضي، وإنما بقدرتها على إعادة تفسير ذلك الماضي في ضوء حاجات الحاضر واستحقاقات المستقبل. لذلك يكون المثقف وسيطًا حضاريًا بين الأزمنة الثلاثة! فهو يستخرج من الماضي قيمه الكلية، ويقرأ الحاضر قراءة علمية، ويستشرف المستقبل برؤية أخلاقية.
إن وظيفته الحقيقية هي نقل المجتمع من ثقافة التكرار إلى ثقافة الوعي، ومن منطق الامتثال غير المشروط إلى منطق الاختيار المسؤول، ومن سلطة الجماعة بوصفها مصدرًا للحقيقة إلى سلطة الحقيقة بوصفها ميزانًا للجماعة.
إن الوعي الحضاري الذي يصنعه المثقف ليس تراكمًا للمعلومات، بل إعادة تشكيل للبنية العقلية للمجتمع؛ فالمجتمعات لا تتغير عندما تتبدل قوانينها فقط، وإنما عندما تتغير الطريقة التي ترى بها ذاتها والعالم من حولها.
كانت النهضات الكبرى في التاريخ تبدأ دائمًا بثورة في الأفكار قبل أن تتحول إلى ثورة في المؤسسات، لأن المؤسسة لا تستطيع أن تنتج مجتمعًا جديدًا ما لم يسبقها إنسان جديد يمتلك وعيًا جديدًا. ومن منظور المقاصد الإسلامية فإن حفظ العادات لا يكون مطلوبًا لذاته، وإنما بقدر ما يحقق المصالح الخمس الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فإذا أصبحت بعض التقاليد سببًا في إهدار الأموال، أو إذلال الإنسان، أو تكريس التمييز الاجتماعي، أو تعطيل التفكير، فإن الإبقاء عليها يناقض المقصد الذي جاءت الشريعة لتحقيقه. ولهذا قرر الفقهاء قاعدة عظيمة مفادها أن "العادة محكَّمة" ما لم تصادم نصًا أو مصلحة راجحة، وهي قاعدة تؤكد أن الإسلام لم يجعل العرف سلطة مطلقة، وإنما أخضعه لميزان المصلحة والعدل والرحمة.
وهكذا يغدو المثقف شريكًا في صناعة الحضارة، لا لأنه ينتج المعرفة فحسب، بل لأنه يعيد توجيه الضمير الجمعي نحو قيم أكثر إنسانية وعدلًا واتزانًا. فالحضارة في جوهرها ليست وفرة في العمران، وإنما رقي في الوعي، ولا يقاس تقدم الأمم بما تشيده من مبانٍ، بل بما تبنيه من إنسان قادر على مراجعة ذاته، ومساءلة موروثه، وصناعة مستقبله دون أن يفقد جذوره أو يتنكر لهويته.
التوصيات
1 - ترسيخ ثقافة المراجعة النقدية للعادات والتقاليد في المؤسسات التربوية والثقافية، بما يعزز التفكير العلمي، ويحرر الأجيال من التقليد غير الواعي، دون المساس بثوابت الهوية الدينية والوطنية.
2 - تعزيز دور المثقف العضوي في معالجة القضايا الاجتماعية اليومية، وعدم حصر النشاط الثقافي في النخب الأكاديمية، حتى تصبح الثقافة جزءًا من الحياة العامة، لا نشاطًا معزولًا عنها.
3 - إطلاق مبادرات مجتمعية تدعو إلى تبسيط مراسم الزواج والنجاح والمناسبات الاجتماعية، وإبراز النماذج الإيجابية التي تقدم الاعتدال بوصفه قيمة حضارية، لا مظهرًا للعجز.
4 - تفعيل دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في إنتاج محتوى ثقافي يرسخ قيم الاعتدال والتكافل، ويواجه ثقافة الاستهلاك والمباهاة، بعيدًا عن الخطاب الوعظي المباشر.
5 - تشجيع الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجي التي تتناول تحولات العادات والتقاليد في المجتمعات العربية، وربط نتائجها بصناع القرار والمؤسسات التربوية والثقافية.
6 - إبراز المقاصد الشرعية في الخطاب الديني، وربط الأحكام بروحها الأخلاقية والاجتماعية، بما يسهم في تصحيح المفاهيم التي تُنسب إلى الدين وهي في حقيقتها أعراف اجتماعية قابلة للتغيير.
7 - بناء شراكات بين الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية لإنتاج برامج توعوية تعزز ثقافة المسؤولية الاجتماعية، وتعيد الاعتبار للإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها.
8 - إعادة توجيه الخطاب الأدبي والفني ليكون شريكًا في بناء الوعي، من خلال الرواية، والشعر، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية، بوصفها أدوات قادرة على التأثير العميق في الضمير الجمعي، وترسيخ نماذج اجتماعية أكثر توازنًا وإنسانية.
المثقف وترشيد العادات والتقاليد.. من سلطة الموروث إلى أخلاق الوعي
بقلم :• إيمان مصاروة – الناصرة - الجليل
تتشابك العادات والتقاليد بالأنساق الثقافية المركبة التي تتكامل فيها الذاكرة الجمعية مع منظومات القيم والرموز والسلطة والهوية، حتى تغدو جزءًا من البنية العميقة التي تنتظم بها حياة المجتمعات.
ويضمن المجتمع استمراره عبر القوانين والمؤسسات الرسمية، ومن خلال ما يرسخه وعي الأفراد من أعراف وأنماط سلوك ومعايير حكم تنتقل بالتنشئة الاجتماعية من جيل إلى آخر، حتى تستقر في اللاوعي الجمعي بوصفها حقائق لا تسائل ومسلمات لا تناقش، لذلك نجد أن قوة العادة لا تستمد مشروعيتها بالضرورة من عقلنتها أو عدالتها، وإنما من قدرتها على التحول إلى ما يشبه "القانون الثقافي غير المكتوب" والذي يفرض سلطته بقوة الإجماع والرقابة الاجتماعية أكثر مما تفرضه السلطة القانونية ذاتها.
لقد أدرك عبد الرحمن بن خلدون هذه الحقيقة مبكرًا حين قرر في مقدمته أن: "العوائد إذا تمكنت صارت طبيعة ثانية"، وهي عبارة تختزل رؤية اجتماعية بالغة العمق خاصة أنها تشير إلى أن الإنسان يرث السلوك إضافة لمنظومة كاملة من التصورات والتأويلات التي تعيد تشكيل وعيه بذاته وبالعالم.
وتورّث العادة باعتبارها إطارًا إدراكيًا يحدد ما يعد طبيعيًا أو مستهجنًا، مقبولًا وحتى مرفوضًا وليس باعتبارها ممارسة ظاهرية، ولهذا تتحول كثير من الأعراف مع مرور الوقت إلى حقائق تظهر كأنها فوق التاريخ، علمًا أنّ أصل نشأتها لم تكن سوى استجابات ظرفية لبيئات اقتصادية، وسياسية، وثقافية، فقدت كثيرًا من مبرراتها بينما احتفظت بسلطانها الرمزي.
وتتجلى إحدى أعقد المفارقات الحضارية في حياة الأمم والمجتمعات، فليس كل ما ورثناه يستحق البقاء، والعكس صحيح فكل جديد ليس جديرًا بالاتباع!! فالنهضة لا تتحقق بقطيعة جذرية مع الماضي أو بالتسليم المطلق له، وإنما تنشأ من قدرة المجتمع على إقامة حوار نقدي دائم مع موروثه، يميز فيه بين القيم المؤسسة لهويته، وبين الممارسات التي استنفدت وظائفها التاريخية.
ويرى الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن أن التراث ليس ركامًا من النصوص أو العادات والتقاليد، إنما فعل حضاري متجدد يستمد مشروعيته من إعادة قراءته في ضوء مقاصده الأخلاقية والإنسانية، علمًا أنّ العلاقة الواعية بالتراث ليست علاقة تقديس تشل العقل، أو قطيعة تمحو الذاكرة، وإنما علاقة اجتهاد، وتأويل، وتجديد، تحفظ الأصول، وتراجع الفروع، وتصون الثوابت، دون أن تجمد المتغيرات.
ويقدم إميل دوركايم من منظور علم الاجتماع تفسيرًا بالغ الأهمية لهذه الظاهرة حين يصنف العادات والأعراف ضمن "الوقائع الاجتماعية" التي تمتلك وجودًا مستقلًا عن إرادة الأفراد، وتمارس عليهم سلطة إلزامية خفية تجعلهم يمتثلون لها خشية الجزاء الرمزي والعقوبة المعنوية أكثر مما يمتثلون أحيانًا للنصوص القانونية نفسها.
ويخشى الفرد فقدان الاعتراف الاجتماعي أو التعرض للعزل والإدانة الرمزية، لذلك تتحول السلطة الاجتماعية إلى سلطة غير مرئية، لكنها أشد تأثيرًا من أدوات الإكراه المباشر.
ويذهب بيير بورديو إلى تعميق هذا الفهم من خلال مفهوم "الهابيتوس" Habitus، الذي يفسر كيف يعيد المجتمع إنتاج عاداته بصورة تلقائية عبر عمليات التنشئة، والتعليم، والأسرة، والمؤسسات الثقافية، حتى تصبح هذه العادات جزءًا من البنية الغير واعية للفرد.
وكثيرًا ما يظن الانسان أنه يختار بحرية، بينما تكون اختياراته، في حقيقتها، محكومة بتاريخ طويل من التشكيل الثقافي الذي صاغ ذوقه، وحدد تصوراته عن المكانة والنجاح والشرف والوجاهة الاجتماعية. فتتحول العادة من ممارسة اجتماعية إلى آلية لإعادة إنتاج البناء الاجتماعي نفسه، بما يحمله من قيم إيجابية أو أنماط تمييز واختلالات تاريخية.
وتبدأ المسؤولية التاريخية للمثقف ومن هذا المنطلق، علمًا أنه ليس وسيطًا لنقل المعرفة أو موظفًا في المؤسسة الثقافية، بل هو الذي يمتلك القدرة على تفكيك البنى الرمزية للمجتمع من خلال العقل النقدي وكشف الفارق بين القيمة التي تحمي الإنسان والعادة التي أصبحت تستنزفه باسم الوفاء للماضي.
ولا يقف المثقف الحقيقي عند حدود الوصف في الوقت الذي فيه يمارس وظيفة التأويل والنقد، ويعيد مساءلة المسلمات التي اعتادت المجتمعات التعامل معها بوصفها حقائق نهائية، فيكشف جذورها التاريخية، ويختبر صلاحيتها الأخلاقية، ويقيس أثرها في كرامة الإنسان وحريته وعدالته.
إنّ مهمة المثقف ليست إعلان القطيعة مع التراث، ولا إثارة الصدام مع الوجدان الجمعي، وإنما ممارسة ما يمكن تسميته بـ "فقه التمييز الحضاري"، وهو الوعي القادر على الفصل بين ما يشكل رصيدًا أخلاقيًا ينبغي تعزيزه، وما أصبح عبئًا تاريخيًا ينبغي مراجعته، فالهوية الحية ليست تلك التي تكدس الموروثات، بل تلك التي تمتلك شجاعة غربلتها وتجديدها، بحيث يبقى التراث مصدرًا للإلهام ويبقى الإنسان غاية الثقافة لا أسيرها.
ولعل القرآن الكريم قد أسس لهذا المنهج النقدي تأسيسًا معرفيًا وأخلاقيًا حين رفض أن يجعل مجرد تقليد الآباء دليلًا على صحة المعتقد أو السلوك، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
فالآية الكريمة لا تدعو إلى القطيعة مع الموروث، وإنما تؤسس لمعيار حضاري يجعل العقل والحق والمصلحة والقيم الأخلاقية ميزانًا لاستمرار العادات ومراجعتها، حيث يتحول النقد من فعل هدم إلى فعل إصلاح، ومن موقف ثقافي إلى مسؤولية شرعية وأخلاقية، ويغدو الاجتهاد في مراجعة الأعراف ضرورة حضارية تحفظ للمجتمع هويته، وتمنحه في الوقت نفسه القدرة على التجدد ومواكبة تحولات التاريخ دون أن يفقد جذوره.
2 - العادات بين التماسك الاجتماعي والاستنزاف الحضاري
ولدت العادات والتقاليد في المجتمعات الإنسانية استجابةً لحاجات وجودية وتنظيمية اقتضتها ظروف المجتمعات البشرية، فهي آليات ثقافية ابتكرها الإنسان لتنظيم العلاقات فيما بينها، وحفظ الاستقرار، وتعزيز الانتماء، وتقليل مساحة الفوضى داخل الجماعة، غير أن التاريخ الاجتماعي يعلمنا أن كل نسق ثقافي يفقد قابلية المراجعة يتحول تدريجيًا من وسيلة لتنظيم الحياة إلى سلطة تتحكم فيها! فالعادة تصبح إشكالية عندما تستقل عن الغاية التي أنشأتها، وتستمر في فرض ذاتها رغم تبدل الشروط التاريخية التي أوجدتها، وبذلك يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الوفاء للتراث والخضوع له، فيتحول الماضي من مصدر خبرة إلى سلطة تعيق المستقبل.
ويذهب علماء الأنثروبولوجيا الثقافية إلى أن الثقافة ليست معطى ساكنًا، وإنما بناء رمزي دائم التشكل يعيد إنتاج نفسه كلما تغيرت شروط الحياة!
وعبّر كليفورد غيرتز عن هذه الفكرة بقوله: "إن الإنسان حيوان معلق في شبكات من المعاني نسجها بنفسه" (Geertz, The Interpretation of Cultures, 1973)، وهي عبارة تكشف أن الثقافة ما يحدد الطريقة التي نفكر ونشعر ونحكم بها على الأشياء، علمًا أنّ مراجعة العادات ليست تهديدًا للهوية، بل هي في حقيقتها مراجعة للمعاني التي تمنح الهوية قدرتها على الاستمرار والتجدد.
ويرى الفيلسوف الألماني هانز غادامير أن التراث لا يعيش بالتكرار وإنما بالحوار، فكل جيل يعيد تأويل الموروث وفق أسئلته التاريخية الجديدة، لأن الفهم نفسه عملية تاريخية متجددة لا تتوقف (Truth and Method, 1960). لذلك إن المحافظة الحقيقية على التراث لا تعني إعادة إنتاج الماضي كما هو، بل إعادة اكتشاف مقاصده في ضوء تحولات الواقع، وإلا تحول التراث إلى ذاكرة جامدة، بينما وجد أصلًا ليكون مصدرًا للحياة.
وينبغي النظر إلى كثير من الممارسات الاجتماعية السائدة في مجتمعاتنا العربية، إذ لم يعد عدد كبير منها يؤدي الوظيفة الاجتماعية التي نشأ من أجلها، بل أصبح ينتج آثارًا معاكسة تمامًا، فما كان في زمن مضى تعبيرًا عن التكافل الاجتماعي تحول في بعض البيئات إلى وسيلة لإظهار التفوق الطبقي، وما كان يرمز إلى الكرم بات أداة للمنافسة الاستهلاكية، وما كان مناسبة لإعلان الفرح أصبح في أحيان كثيرة ساحة لاستعراض المكانة الاجتماعية! وهكذا ينتقل المجتمع دون وعي من اقتصاد الحاجة إلى اقتصاد المباهاة، وثقافة المقارنة، حتى يغدو الإنسان مقاسًا بما ينفقه لا بما يضيفه إلى الحياة من علم أو خلق أو أثر حضاري.
وأدرك أنطونيو غرامشي أن أخطر أشكال السلطة تلك التي تنجح في جعل الناس يقبلون أنماطًا من السلوك بوصفها طبيعية وبديهية، وهو ما سماه "الهيمنة الثقافية" (Prison Notebooks). فالهيمنة تعمل عبر تحويل الأعراف إلى يقين جمعي، بحيث يصبح الخروج عليها خروجًا على الجماعة نفسها، لذلك تكتسب العادة قوة استثنائية، لأنها تحدد ما يعتبره المجتمع فضيلة أو نقصًا، نجاحًا أو فشلًا، احترامًا أو عيبًا.
وتتجلى هذه الهيمنة بوضوح في المناسبات الاجتماعية الكبرى، ولا سيما حفلات الزواج والنجاح والولائم، حيث تتضخم النفقات إلى مستويات تستنزف الأسر اقتصاديًا ونفسيًا، لا استجابةً لحاجة حقيقية، وإنما خوفًا من فقدان الاعتراف الاجتماعي، فالأزمة هنا ليست مالية فحسب، بل رمزية أيضًا إذ يصبح الإنسان أسير الصورة التي يريد المجتمع أن يراه من خلالها، فينفق ليحافظ على مكانته المتخيلة، لا على مصلحته الواقعية.
ووصف زيغمونت باومان هذه الحالة بأنها إحدى سمات "الحداثة السائلة"، حيث تتحول قيمة الإنسان تدريجيًا من كونه منتجًا للمعنى إلى مستهلك للرموز، ويغدو الاعتراف الاجتماعي سلعة تُشترى بالمظاهر أكثر مما تُكتسب بالفضائل (Liquid Modernity, 2000).
ويشير ماكس فيبر من منظور علم الاجتماع السياسي، إلى أن السلطة التقليدية تكتسب مشروعيتها من استمرار العرف ذاته، لا من سلامة نتائجه (Economy and Society)، لذلك يخضع كثير من الناس للعادات وهم يدركون أنها مرهقة أو غير عقلانية، لأن تكلفة مخالفتها اجتماعيًا تبدو أعلى من تكلفة ممارستها، ويؤكد علم النفس الاجتماعي هذه الحقيقة من خلال دراسات الامتثال الاجتماعي التي أثبتت أن الإنسان يميل إلى موافقة الجماعة حفاظًا على شعوره بالانتماء، حتى عندما تتعارض ممارساته مع قناعاته الشخصية! فهكذا تصبح العادة أقوى من الاقتناع، لأن الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي تتغلب على الحاجة إلى الاتساق العقلي.
ويضيف ميشيل فوكو بعدًا أكثر عمقًا حين يبين أن السلطة الحديثة لا تفرض نفسها بالسلاح وحده، بل عبر تشكيل الأجساد والعقول وأنماط الحياة اليومية، حتى يمارس الإنسان الرقابة على نفسه دون حاجة إلى رقيب خارجي (Discipline and Punish, 1975)، وفي هذا السياق يمكن فهم كثير من العادات بوصفها آليات للضبط الاجتماعي والتي تجعل الفرد يراقب ذاته باستمرار خشية نظرة الآخرين، فيتحول المجتمع بأسره إلى سلطة رمزية منتشرة في الوعي أكثر من انتشارها في المؤسسات.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في وجود العادات، وإنما في تحولها إلى غاية قائمة بذاتها بعد أن كانت وسيلة لخدمة الإنسان، فالاحتفال الذي وجد لصناعة الفرح لا يجوز أن يصنع الديون، والكرم الذي شرع لتقوية الروابط الإنسانية لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة استهلاكية، والتقاليد التي هدفت إلى حماية التماسك الاجتماعي لا يصح أن تصبح سببًا في القلق النفسي أو التفاوت الاقتصادي أو تعطيل فرص الشباب في بناء أسرهم، فكل عادة تفقد بعدها الإنساني تفقد في الوقت نفسه مشروعيتها الحضارية، مهما بلغ عمرها في التاريخ.
ويؤكد إدغار موران أن المجتمعات التي تعجز عن ممارسة النقد الذاتي تدخل في حالة من "العمى المعرفي"، حيث تصبح غير قادرة على رؤية الأخطاء التي تنتجها أنساقها الثقافية لأنها تعيش داخلها وتفكر من خلالها (The Seven Complex Lessons in Education for the Future, 1999). ومن هنا فإن الإصلاح الثقافي ليس إعلانًا للقطيعة مع المجتمع، بل هو ممارسة دائمة للنقد الحضاري الذي يعيد وصل الوسائل بمقاصدها، ويجعل الإنسان غاية الثقافة لا ضحيتها.
إن الحضارة لا تقاس بكمية ما تحتفظ به من عادات، وإنما بقدرتها على مراجعتها وإعادة بنائها كلما تعارضت مع كرامة الإنسان أو عطلت إمكانات تقدمه، فالثقافات الحية ليست تلك التي تمتلك شجاعة مساءلتها، لأن الوفاء الحقيقي للماضي يسير بتحقيق الغايات الإنسانية التي قام عليها، وتجديدها بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة الإنسان في الحاضر وصناعة المستقبل.
3 - المثقف بوصفه فاعلًا حضاريًا: من نقد الواقع إلى صناعة البدائل
إذا كانت المجتمعات هي التي تنتج عاداتها عبر التراكم التاريخي، فإن المثقف هو الضمير الذي يمنع هذا التراكم من أن يتحول إلى جمود. فالثقافة، في معناها الحضاري، ليست مخزونًا من المعارف ولا ترفًا ذهنيًا يزين الخطاب، وإنما هي ممارسة أخلاقية غايتها حماية الإنسان من الاستسلام لما اعتاده، وإيقاظ قدرته الدائمة على إعادة النظر فيما يصنع حياته ، فلا تقاس قيمة المثقف بما يحفظه من معلومات أو بعدد ما يكتب من مقالات وكتب، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى إرادة، والإرادة إلى مشروع إنساني يعيد للإنسان حقه في أن يكون فاعلًا في صناعة مصيره، لا مجرد وريثٍ لأنماط حياة فرضها الماضي.
إن المثقف الحقيقي يبدأ من السؤال، فالمجتمعات التي تتوقف عن مساءلة نفسها تبدأ من حيث لا تشعر في فقدان قدرتها على التجدد! ويرى سقراط في ذلك " أن الحياة التي لا تفحص لا تستحق أن تعاش، لأن الإنسان يكتمل بامتلاك الشجاعة الأخلاقية التي تمكنه من مساءلة يقينياته باستمرار، ولذلك يصبح فعل النقد أعلى درجات الوفاء له، لأن النقد يستهدف تحرير البنية الاجتماعية من العناصر التي فقدت قدرتها على خدمة الإنسان.
ينظر أنطونيو غرامشي إلى المثقف بوصفه "مثقفًا عضويًا"، أي إنسانًا منخرطًا في نسيج مجتمعه، لا يعيش خارجه ولا يتحدث إليه من موقع الوصاية، بل يسهم في إعادة تشكيل وعيه التاريخي من الداخل (Selections from the Prison Notebooks، 1971). فالكلمة في هذا التصور فعل اجتماعي يعيد توزيع المعاني وتعريف الممكن والمستحيل، ويكسر هيمنة الأفكار التي ترسخت حتى بدت وكأنها قدر لا يقبل المراجعة.
ويقترب إدوارد سعيد من هذا المعنى حين يقرر أن وظيفة المثقف ليست البحث عن الرضا الاجتماعي، وإنما امتلاك الشجاعة لقول الحقيقة في وجه السلطة، أيًّا كان شكلها: "سلطة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو حتى اجتماعية" (Representations of the Intellectual، 1994).
فليس كل ما يحظى بإجماع الناس صحيحًا، كما أن الأكثر شيوعًا ليس بالضرورة الأكثر عدلًا! ولهذا يطلب من المثقف أن يكون يقظةً أخلاقية تحرس المجتمع من استبداد المألوف، لأن أخطر أنواع الاستبداد هو ذلك الذي لا يشعر الناس بوجوده.
ومن هنا تتجاوز مسؤولية المثقف مجرد نقد العادات إلى تفكيك البنية الفكرية التي تمنحها شرعيتها، وهذا ما أدركه مالك بن نبي حين أكد أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة وسائل أو إمكانات، بل أزمة أفكار! فالأشياء لا تتحرك من تلقاء نفسها، وإنما تحركها الأفكار التي تمنحها معناها واتجاهها، ولهذا فإن إصلاح المجتمع يبدأ بإعادة بناء المنظومة الفكرية التي تنتج هذه المظاهر وتعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. فحين يتغير الوعي، تتبدل الممارسة تلقائيًا، أما حين يفرض التغيير من الخارج دون أن يمس البنية الفكرية، فإنه يبقى إصلاحًا هشًا سرعان ما يعيد المجتمع إنتاج أنماطه القديمة.
غير أن المثقف يفقد رسالته عندما يتحول إلى مجرد ناقد دائم للواقع، فالنقد الذي لا يفتح أفقًا جديدًا قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال العجز الثقافي، لأنه يضاعف الإحساس بالأزمة دون أن يمنح المجتمع القدرة على تجاوزها.
ويرى الفيلسوف كارل بوبر أن المجتمعات المفتوحة لا تتقدم بكثرة الشعارات، وإنما بقدرتها المستمرة على تصحيح أخطائها، وأن قيمة الفكر لا تكمن في ادعائه امتلاك الحقيقة، بل في استعداده الدائم لمراجعة نفسه (The Open Society and Its Enemies، 1945). ومن هنا فإن المثقف يبدأ دوره الحقيقي عندما يصنع إمكانًا جديدًا للواقع.
ويمنح بول ريكور هذه المسؤولية بعدًا إنسانيًا أعمق حين يربط الهوية بالقدرة على إعادة تأويل الذات باستمرار، فالأفراد والمجتمعات لا يحافظون على هويتهم بالتكرار، وإنما بإعادة قراءة ذواتهم في ضوء الخبرة التاريخية المتجددة (Oneself as Another، 1992).
إن مراجعة العادات ليست تهديدًا للهوية، بل هي أحد شروط بقائها؛ لأن الهوية التي تعجز عن نقد نفسها تتحول إلى قوقعة تحمي الماضي أكثر مما تخدم المستقبل!!!
ولذلك فإن الإصلاح الثقافي لا يبدأ بإدانة المجتمع أو السخرية من عاداته، لأن الناس لا يتمسكون بالموروث لأنه دائمًا أكثر عقلانية، بل لأنه يمنحهم شعورًا بالأمان والاستمرارية والانتماء.
وأوضح كل من بيتر بيرغر وتوماس لوكمان أن الواقع الاجتماعي يكتسب سلطته لأنه يبدو للأفراد وكأنه حقيقة طبيعية مستقلة عنهم، مع أنه في الأصل نتاج أفعالهم وتصوراتهم المتراكمة (The Social Construction of Reality، 1966). وما دام الإنسان هو الذي أنشأ هذا الواقع، فإنه قادر أيضًا على إعادة بنائه متى امتلك الشجاعة الفكرية والوعي النقدي.
إن المثقف يغيّر المجتمع بتغيير اللغة التي يفهم بها المجتمع نفسه، ولذلك لا تقتصر أدواته على المقالة أو المحاضرة أو البحث الأكاديمي، بل تمتد إلى الرواية، والشعر، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية، والإعلام، والفضاء الرقمي ألخ، لأن هذه الوسائط لا تنقل الأفكار فحسب، بل تعيد تشكيل المخيلة الجمعية التي تتولد منها الأفكار ذاتها.
إن أعظم التحولات الحضارية لم تبدأ غالبًا بقرار سياسي، بل بدأت بفكرة غيّرت نظرة الإنسان إلى ذاته، أو بكتاب أيقظ ضميرًا، أو برواية زعزعت يقينًا، أو بقصيدة أعادت تعريف الكرامة والحرية.
وتبرز مسؤولية المثقف في الانتقال من ثقافة الاعتراض إلى ثقافة الاقتراح، فلا يكفي أن يبين للناس أن بعض العادات تستنزفهم، بل عليه أن يصوغ بدائل أكثر إنسانية، وأكثر عدلًا، وأكثر انسجامًا مع مقاصد القيم التي قامت عليها تلك العادات في أصلها، فحين يدعو إلى زواج يحفظ الكرامة ولا يرهق الأسر، أو إلى احتفال يجعل النجاح مناسبة لتكريم العلم لا لاستعراض الثراء، أو إلى إحياء قيم التكافل بعيدًا عن ثقافة الاستهلاك والمنافسة، فإنه لا يهدم الموروث، بل يعيده إلى وظيفته الأولى بوصفه خادمًا للإنسان.
ويتلاقى هذا مع ما ذهب إليه باولو فريري حين رأى أن الثقافة الحقيقية ليست عملية تلقين، بل ممارسة تحررية تساعد الإنسان على إدراك العالم بوصفه مشروعًا قابلًا للتغيير، لا قدرًا مفروضًا عليه (Pedagogy of the Oppressed، 1970). فالتربية والثقافة، في جوهرهما، لا تصنعان أفرادًا أكثر معرفة فقط، وإنما تصنعان بشرًا أكثر قدرة على تحمل مسؤولية المستقبل.
ويؤكد يورغن هابرماس أن المجتمعات لا تنضج إلا حين تستبدل منطق الهيمنة بمنطق الحوار، لأن التغيير الذي يقوم على الإقناع أرسخ أثرًا من التغيير الذي يُفرض بالقوة (The Theory of Communicative Action، 1984). ولذلك فإن المثقف ليس وصيًا على المجتمع، بل شريكًا له في إنتاج معنى جديد للحياة المشتركة، يحترم الموروث حين يحقق كرامة الإنسان، ويملك الجرأة على مراجعته حين يتحول إلى عبء على العقل والحرية والعدالة.
وعليه، فإن المثقف الذي يكتفي برصد الأزمات يبقى شاهدًا على عصره، أما المثقف الذي يزرع البدائل، ويمنح المجتمع القدرة على تخيل مستقبل أكثر إنسانية، فهو الذي يصنع التاريخ. فالثقافة، في جوهرها، ليست وصفًا للعالم كما هو، وإنما مشاركة مسؤولة في إعادة تشكيله كما ينبغي أن يكون؛ لأن الحضارات لا تنهض بكثرة ما تمتلكه من المعرفة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى ضمير، والضمير إلى فعل، والفعل إلى حياة أكثر عدلًا وكرامةً للإنسان.
4 - نحو نظرية حضارية في نقد العادات: من سلطة الموروث إلى معيار المقاصد
لعل الإشكال الأكبر في علاقة المجتمعات بعاداتها لا يكمن في وجود تلك العادات، وإنما في الآلية التي تمنح بها الشرعية للاستمرار، فكثير من الممارسات الاجتماعية تستمد قوتها من قِدمها حتى يغدو الزمن نفسه حجةً على صحتها، وكأن التاريخ ينتج الحقيقة بمجرد التراكم، فينشأ ما يمكن تسميته بـ "وهم الشرعية الزمنية"، أي الاعتقاد بأن كل ما استقر في الوعي الجمعي يصبح فوق المساءلة، بينما الحقيقة الاجتماعية تؤكد أن البقاء لا يدل دائمًا على الصلاح، كما أن الاندثار لا يعني بالضرورة فساد الفكرة!! فالتاريخ يحفظ الفضائل والأخطاء أيضًا، ويبقى العقل النقدي هو الأداة الوحيدة القادرة على التمييز بينهما.
ولم تعد الحاجة تقتصر على مراجعة بعض العادات، بل إلى بناء نظرية حضارية في نقدها " أي العادات"، تجعل السؤال الرئيسي: "أي إنسان تنتجه هذه الممارسة؟"، فالعادة التي تنمي الرحمة، وتحفظ الكرامة، وتعزز العدالة، وتحقق السكينة الاجتماعية، تستحق البقاء ولو تغيرت أشكالها، أما العادة التي تزرع الخوف الاجتماعي، وتؤسس للتفاخر الطبقي، أو تستنزف الإنسان اقتصاديًا ونفسيًا، فإن استمرارها لا يصبح وفاءً للتراث، بل تعطيلًا لمقاصده!.
وتبرز أطروحة يمكن اعتبارها من ضرورات الإصلاح الثقافي، وهي أن العادات لا ينبغي أن تقاس بعمرها بل بأثرها الحضاري، خاصة أنّ المعيار الحقيقي ليس عدد الأجيال التي مارستها انما مقدار الخير الذي تضيفه إلى حياة الناس.
إن المجتمع الذي يقيس شرعية عاداته بقدمها وحده، يضع الزمن في منزلة البرهان، بينما المجتمع الواعي يجعل الإنسان هو البرهان، لأن الغاية النهائية لكل ثقافة هي خدمة الإنسان لا استعباده.
ولعل أبرز مظاهر الأزمة الثقافية المعاصرة أن بعض العادات خرجت من دائرة الممارسة الاجتماعية إلى دائرة السلطة الرمزية، فهي تحولت إلى أدوات لإنتاج المكانة الاجتماعية بعد أن كانت مجرد أفعال، ومن أجل إعادة توزيع الهيبة بين الأفراد والعائلات بحيث لا يعود الاحتفال تعبيرًا عن الفرح، بل يصبح إعلانًا عن القوة الاقتصادية، ولا يغدو الكرم قيمة أخلاقية، بل وسيلة للمنافسة الاجتماعية، فتتحول الرموز إلى غايات، وتفقد القيم مضمونها الإنساني. وهذه أخطر لحظة تمر بها العادة؛ لأنها تتحول من وسيلة لبناء المجتمع إلى وسيلة لتكريس التفاوت داخله.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم جديد هو "الاقتصاد الأخلاقي للعادات"، ويقصد به إخضاع العادات لميزان أخلاقي واجتماعي لا لميزان الكلفة المالية وحدها. فليست المشكلة في كثرة الإنفاق بحد ذاتها، وإنما في النتائج التي يتركها هذا الإنفاق على العدالة الاجتماعية، وعلى شعور الفقراء، وعلى استقرار الأسرة، وعلى منظومة التكافل. فقد تكون عادة قليلة الكلفة لكنها تُنتج الإقصاء، وقد تكون عادة مكلفة لكنها تحقق مصلحة عامة، ولذلك فإن الحكم على العادات ينبغي أن ينطلق من أثرها في الإنسان قبل النظر إلى صورتها الخارجية.
وإذا كان علماء الاجتماع قد تحدثوا عن "الضمير الجمعي" بوصفه القوة التي تحفظ تماسك المجتمع، فإن الحاجة اليوم تفرض الانتقال إلى ما يمكن تسميته "الضمير النقدي الجمعي"، أي القدرة المشتركة على مراجعة الذات دون شعور بالتهديد، وإعادة النظر في الممارسات الاجتماعية دون اتهام أصحاب المراجعة بالخروج على الهوية أو العصيان الثقافي، فالمجتمع الذي يخاف من نقد عاداته يفقد تدريجيًا قدرته على تجديد نفسه، لأن كل حضارة تتوقف عن نقد ذاتها تبدأ، من حيث لا تشعر، في استهلاك رصيدها التاريخي بدل إنتاج مستقبلها.
ويؤكد القرآن الكريم هذا المنهج حين يربط بين العقل والهداية، ويرفض الاتباع الأعمى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ "البقرة: 170". فالآية لا ترفض التراث، وإنما ترفض أن يتحول إلى بديل عن العقل، وتؤسس لمبدأ حضاري بالغ الأهمية، وهو أن قيمة الموروث تُستمد من موافقته للحق والعدل، لا من مجرد قِدمه.
إن مسؤولية المثقف لا ينبغي أن تختزل في كشف العيوب أو نقد الظواهر، وإنما في إنتاج معايير حضارية يستطيع المجتمع أن يحتكم إليها كلما واجه عادة جديدة أو موروثًا قديمًا! فالمثقف الحق لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يبني أدوات التفكير، ويحرر الوعي من الارتهان للمألوف، ويحول النقد من موقف احتجاجي إلى مشروع معرفي يوازن بين الأصالة والتجديد.
وهكذا يغدو ترشيد العادات مشروعًا لبناء الأمن الثقافي للمجتمع، فالأمن الثقافي لا يتحقق بكثرة الشعارات المدافعة عن التراث، وإنما بقدرة المجتمع على صيانة قيمه الكبرى، مع امتلاك الشجاعة لتجديد الوسائل التي تحمل تلك القيم، فالهوية حركة واعية تحفظ الثوابت، وتعيد تشكيل المتغيرات، حتى يبقى الإنسان هو الغاية العليا لكل بناء حضاري، وتبقى العادات خادمةً للحياة، لا قيدًا على ازدهارها.
5 - المثقف وصناعة الوعي الحضاري
إن أخطر ما في العادات والتقاليد أنها لا تستمر بقوة الإقناع، بل بقوة الاعتياد؛ فالإنسان لا يولد مؤمنًا بعاداته، وإنما يتشربها عبر عملية طويلة من التنشئة الاجتماعية حتى تصبح جزءًا مما يسميه علماء الاجتماع "الوعي الضمني"، أي ذلك المستوى من الإدراك الذي يمارس تأثيره في السلوك دون أن يخضع للفحص أو النقد! حيث تنشأ إحدى أعقد وظائف المثقف الذي يسعى إلى كشف البنية الذهنية التي تمنحها شرعيتها، لأن تغيير السلوك دون تغيير التصورات الكامنة لا ينتج إلا تحولًا شكليًا سرعان ما يعود إلى صورته الأولى.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والعادة، وإنما بين العقل وما يمكن تسميته "الذاكرة الاجتماعية المغلقة". فالذاكرة الجمعية حين تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها فتتحول من وعاء للخبرة التاريخية إلى سلطة رمزية تفرض على الأحياء أن يعيشوا بمنطق الأسلاف لا بمنطق الواقع، وعند هذه النقطة يفقد المجتمع إحدى أهم خصائصه الحضارية وهي: القدرة على التعلم من الزمن، لأن الحضارات لا تقاس بكمية ما تحفظه من الماضي، وإنما بقدرتها على إعادة تفسير ذلك الماضي في ضوء حاجات الحاضر واستحقاقات المستقبل. لذلك يكون المثقف وسيطًا حضاريًا بين الأزمنة الثلاثة! فهو يستخرج من الماضي قيمه الكلية، ويقرأ الحاضر قراءة علمية، ويستشرف المستقبل برؤية أخلاقية.
إن وظيفته الحقيقية هي نقل المجتمع من ثقافة التكرار إلى ثقافة الوعي، ومن منطق الامتثال غير المشروط إلى منطق الاختيار المسؤول، ومن سلطة الجماعة بوصفها مصدرًا للحقيقة إلى سلطة الحقيقة بوصفها ميزانًا للجماعة.
إن الوعي الحضاري الذي يصنعه المثقف ليس تراكمًا للمعلومات، بل إعادة تشكيل للبنية العقلية للمجتمع؛ فالمجتمعات لا تتغير عندما تتبدل قوانينها فقط، وإنما عندما تتغير الطريقة التي ترى بها ذاتها والعالم من حولها.
كانت النهضات الكبرى في التاريخ تبدأ دائمًا بثورة في الأفكار قبل أن تتحول إلى ثورة في المؤسسات، لأن المؤسسة لا تستطيع أن تنتج مجتمعًا جديدًا ما لم يسبقها إنسان جديد يمتلك وعيًا جديدًا. ومن منظور المقاصد الإسلامية فإن حفظ العادات لا يكون مطلوبًا لذاته، وإنما بقدر ما يحقق المصالح الخمس الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فإذا أصبحت بعض التقاليد سببًا في إهدار الأموال، أو إذلال الإنسان، أو تكريس التمييز الاجتماعي، أو تعطيل التفكير، فإن الإبقاء عليها يناقض المقصد الذي جاءت الشريعة لتحقيقه. ولهذا قرر الفقهاء قاعدة عظيمة مفادها أن "العادة محكَّمة" ما لم تصادم نصًا أو مصلحة راجحة، وهي قاعدة تؤكد أن الإسلام لم يجعل العرف سلطة مطلقة، وإنما أخضعه لميزان المصلحة والعدل والرحمة.
وهكذا يغدو المثقف شريكًا في صناعة الحضارة، لا لأنه ينتج المعرفة فحسب، بل لأنه يعيد توجيه الضمير الجمعي نحو قيم أكثر إنسانية وعدلًا واتزانًا. فالحضارة في جوهرها ليست وفرة في العمران، وإنما رقي في الوعي، ولا يقاس تقدم الأمم بما تشيده من مبانٍ، بل بما تبنيه من إنسان قادر على مراجعة ذاته، ومساءلة موروثه، وصناعة مستقبله دون أن يفقد جذوره أو يتنكر لهويته.
التوصيات
1 - ترسيخ ثقافة المراجعة النقدية للعادات والتقاليد في المؤسسات التربوية والثقافية، بما يعزز التفكير العلمي، ويحرر الأجيال من التقليد غير الواعي، دون المساس بثوابت الهوية الدينية والوطنية.
2 - تعزيز دور المثقف العضوي في معالجة القضايا الاجتماعية اليومية، وعدم حصر النشاط الثقافي في النخب الأكاديمية، حتى تصبح الثقافة جزءًا من الحياة العامة، لا نشاطًا معزولًا عنها.
3 - إطلاق مبادرات مجتمعية تدعو إلى تبسيط مراسم الزواج والنجاح والمناسبات الاجتماعية، وإبراز النماذج الإيجابية التي تقدم الاعتدال بوصفه قيمة حضارية، لا مظهرًا للعجز.
4 - تفعيل دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في إنتاج محتوى ثقافي يرسخ قيم الاعتدال والتكافل، ويواجه ثقافة الاستهلاك والمباهاة، بعيدًا عن الخطاب الوعظي المباشر.
5 - تشجيع الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجي التي تتناول تحولات العادات والتقاليد في المجتمعات العربية، وربط نتائجها بصناع القرار والمؤسسات التربوية والثقافية.
6 - إبراز المقاصد الشرعية في الخطاب الديني، وربط الأحكام بروحها الأخلاقية والاجتماعية، بما يسهم في تصحيح المفاهيم التي تُنسب إلى الدين وهي في حقيقتها أعراف اجتماعية قابلة للتغيير.
7 - بناء شراكات بين الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية لإنتاج برامج توعوية تعزز ثقافة المسؤولية الاجتماعية، وتعيد الاعتبار للإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها.
8 - إعادة توجيه الخطاب الأدبي والفني ليكون شريكًا في بناء الوعي، من خلال الرواية، والشعر، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية، بوصفها أدوات قادرة على التأثير العميق في الضمير الجمعي، وترسيخ نماذج اجتماعية أكثر توازنًا وإنسانية.